كتب الكاتب العربي فهمي هويدي قبل ربع قرن مقالا بغاية الأهمية وأحب هنا عرضه كما هو وهو عن مجلة العربي الكويتية في عام 1981 وعنوان المقال "ارفعوا أيديكم عن الإسلام" وسأورده كاملا كما هو لأهميته وضرورته في عصرنا الحالي لإعادة النظر في الكثير من الأمور في الإسلام ومن وجهة نظر أخرى وهامة بذات الوقت واليكم المقال:
ليس من حق أحد أن يقف أمام الملأ ويقول:أنا الإسلام!
ليس من حق أحد أن يتحصن بكتاب الله ,ثم يعلن علينا من ورائه أن من نصره وأيده فقد دخل في زمرة المؤمنين الصالحين,ومن خذله وعارضه فقد خرج على كتاب الله,وصار من أعداء الإسلام المارقين!
ليس من حق أحد أن يزعم بأنه يتمتع بحصانة إسلامية خصته بها السماء من دون كل المسلمين,فرفعته فوق الرؤوس,ونزهته عن النقد والسؤال,وأحاطته بسياج من العصمة والقداسة.
لكنهم في زماننا يقولون ذلك,بغير تردد ولا مواربة. يختلفون في أمور الدنيا ,ويتبادلون الاتهامات هنا وهناك. ثم نفاجأ بمن يلقي قفاز الإسلام في وجه الجميع, فتنقلب موازين العراك وأسلحته .ويتحول الأمر من قبول أو رفض للاجتهاد السياسي ,ليصبح إيمانا بالله أو كفرا به,ودعما للإسلام أو طعنا فيه.
والإسلام بريء مما يفترون !
فالذي نعلمه عن الإسلام الذي أنزله الله في كتابه أنه يرفض "التجميد" في الأشخاص والأشياء,كما يرفض "التحديد" في الأزمنة والأمكنة.
ما نعرفه عن الإسلام أنه يرسي مجموعة من القيم, حيثما وجدت وجد معه الإسلام ,وإذا ما غابت غاب معها الإسلام. ما نعرفه عن الإسلام أنه يرفض بشكل قاطع أن تثبت رايته على جبين فرد أو سلالة أو جنس ,فضلا عن بناية أو مدينة أو "هيكل".
ان القداسة والعصمة-بنص القرآن-من الصفات المطلقة لله وحده (الملك القدوس) وإضفاء هذه الصفة أو تلك على أحد من البشر فيه شبهة الشرك بالله ,وأما إضفاؤها على المكان بذاته فهو الوثنية بعينها.
ومعركة الإسلام الأساسية ,والأبدية ,هي ضد كل صور الشرك والوثنية.
ان هذا "التجريد" لقيم الدين وتعاليمه سمة أصيلة في الإسلام.وأي إخلال بها إنما هو ابتداع في الدين وعبث من صنع البشر. تحركه النزوات والأهواء , وأحلام السلطان الزمني والروحي.
النبي في الإسلام ليس "ابن الله" . ومحمد عليه الصلاة والسلام هو في القرآن الكريم "بشرا رسولا" (لاحظ الترتيب :بشر أولا ثم رسول ثانيا) وهو في قوله عليه السلام :"أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد في مكة" ,اصطفاه الله سبحانه ليؤدي أمانة تبليغ الرسالة. وعندما وصفه القرآن الكريم بأنه "لا ينطق عن الهوى".لم يشأ البيان الإلهي أن يترك الحكم مطلقا وإنما أضاف على الفور وفي الآية التي تليها مباشرة"إن هو إلا وحي يوحى".
فالعصمة هنا ليست مطلقة, وإنما هي مرتبطة بالوحي الإلهي , وفي حدود تبليغ الرسالة والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. محمد "الرسول" هو الذي تلقى بالوحي قبسا من عصمة الله سبحانه ,أما محمد "البشر",فهو الذي نكن له أعظم الحب والإجلال لأنه رسول الله,لكنه في غير إطار الوحي والدعوة والتبليغ يظل بشرا يصيب ويخطئ. وهو المعنى الذي أدركه الصحابة جيدا,الأمر الذي دفع أحدهم في غزوة بدر لأن يستفسر في غزوة بدر لأن يستفسر من رسول الله(ص) عندما اختار موضعا إلى جوار بئر ليعسكر فيه المسلمون, ويسأله: أهو منزل أنزلكه الله, أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فيقول عليه السلام: بل هو الرأي والحرب والمكيدة! ..عندئذ يطرح الصحابي رأيا مخالفا لرأي رسول الله, ويرشح موضعا آخر ,لأن الأمر هنا خرج من دائرة الوحي الإلهي,إلى دائرة الاجتهاد الإنساني, وكان المتكلم هو محمد "البشر", وليس محمدا "الرسول".
محمد البشر هو الذي كان يستشير المسلمين في أمورهم قائلا: أشيروا عليّ أيها الناس. وهو الذي انحاز إلى رأي أبي بكر الصديق في مصير أسرى بدر,معارضا بذلك رأي عمر بن الخطاب ثم نزل القرآن مؤيدا لرأي عمر. وهو الذي انتصر في غزوات وانهزم في أحد, وهو الذي عاتبه الله سبحانه في القرآن لأنه :"عبس وتولى, أن جاءه الأعمى". وهو الذي لم يحالفه التوفيق عندما نصح المسلمين في قصة تلقيح النخل, وعندما عادوا إليه يخبرونه بما أصاب النخيل من جراء تلك النصيحة , قال لهم بوضوح شديد "أنتم أعلم بشؤون دنياكم!
ومحمد رسول الله كان يعلم أن أهله بشر مثل آحاد الناس , وهو الذي رفض أن يضفي أي قدر من –القداسة أو التميز للسلالة,وأعلن أمام الجميع :والله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها!وهو القائل بمنتهى الوضوح: يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا , وهو المحذر لأهله :لا يأتيني الناس بأعمالهم ,وتأتوني بأنسابكم.
وهي حكمة إلهية جديرة بالتأمل والنظر ,أن يكون للنبي عليه السلام أبناء ثلاثة من الذكور,إبراهيم والطاهر والقاسم, ثم يشاء الله أن يموت الثلاثة في حياته .وينجب أربعا من الإناث ,فاطمة وأم كلثوم ورقية وزينب, فيموت ثلاث منهن في حياته أيضا ,وتبقى فاطمة لشهور قليلة بعد مماته عليه السلام.
تشاء حكمة الله البالغة أن لا يخلف رسوله أولادا ذكورا بعد رحيله ,حتى لا يظن أحدهم أن له حقا في خلافة النبي وقيادة المسلمين. وهو ظن ليس بعيدا,لأن الذي حدث بعد وفاة النبي يطرح الاحتمال بقوة. فإذا كان هناك من دعا إلى أن تظل الخلافة في بيت رسول الله ,وهو موقف تبنته السيدة فاطمة ودفع علي بن أبي طالب إلى الامتناع عن بيعة أبي بكر يوم السقيفة. إذا كانت هذه الحجة قد أثيرت فعلا واقتنعت بها بنت النبي وابن عمه علي, فما بالكم لو أن لرسول الله ولدا عاش بعده ,ورأى في الخلافة ما رآه بعض آل بيت النبي؟.. أي تحول في مسار الدعوة ,بل في تاريخ المسلمين,كان يمكن أن يحدثه هذا التطور المثير؟
وتشاء حكمة الله البالغة أن تموت بنات النبي الثلاث من غير أن ينجبن , فلا تتسع دائرة ذرية الرسول, مما قد يفتح الباب لمحاذير ومثالب, الإسلام في غنى عنها. ثم تبقى واحدة فقط ,السيدة فاطمة أم الحسن والحسين ,لتكون الخيط الرفيع الذي يسمح للسلالة بالاستمرار في نطاق ضيق.. وهي التي ينسب إليها-بالحق والباطل- هذا الحشد الهائل من "الأشراف" و"السادة" ,والمنتشر في بلاد العرب والعجم !
ألا يعني موت أبناء النبي الثلاثة بوجه أخص ,وبناته الثلاثة بعد ذلك ,أن إرادة الله سبحانه شاءت أن يغلق باب الوراثة في الإسلام ,حتى من جانب آل بيت رسول الله؟
ألا يعزز ذلك فكرة رفض تجسيد الإسلام في أي كائن حي , حتى لو كان ابن رسول الله ,أو سلالته عليه السلام؟
وفي سياق الحرص على "التجريد" ورفض "التجسيد", يسوق لنا قصص القرآن مثلا آخر من عهد أبي الأنبياء ,إبراهيم عليه السلام :ففي حوار شديد الوضوح والتركيز,يسجل البيان الإلهي قول الله سبحانه وتعالى لسيدنا إبراهيم في سورة البقرة(من الآية 124) :"إني جاعلك للناس إماما".
فيعقب أبو الأنبياء "ومن ذريتي"؟
ويكون الرد قاطعا ,إذ يقول الله سبحانه :"لا ينال عهدي الظالمين"!
فسيدنا إبراهيم هنا يطرح قضية وراثة الإمامة والقيادة في ذريته ,ولكن الله سبحانه وتعالى يوجه الحوار إلى مسار آخر ,ويطرح قيمة العدل ,في إدانة واضحة للظلم والظالمين.
والدلالة هنا ليست بحاجة إلى مزيد من البيان .إذ المسألة كما يطرحها القرآن الكريم ,ليست أن تكون الإمامة في ذرية إبراهيم أو لا تكون ,ولكن جوهر القضية هو :هل يقف هؤلاء مع العدل أم مع الظلم!
إن "القيمة" هنا هي حجر الزاوية ومربط الفرس. أما السلالة والقبيلة والعرق,فتلك اعتبارات تالية في الأهمية والترتيب ,بل لا مكان لها على الإطلاق إذا ارتبطت بالظلم والجور.
إننا إذا تتبعنا مسيرة التاريخ الإسلامي في هذا الصدد, فسوف تستوقفنا ملاحظتان هامتان:
الملاحظة الأولى أن فكرة ربط الأشخاص بالدين ,في المنصب أو اللقب ,لم تظهر إلا في عصور الضعف التي مهدت لعصور الانحطاط.
الملاحظة الثانية إن هذا الاتجاه ثبت واستقر حتى تطور إلى إنشاء ما يسمى بالمؤسسة الدينية,على أيدي المسلمين العجم وليس العرب.
لقد رفض أبو بكر الصديق ,أول الخلفاء الراشدين لقب "خليفة الله" ,وأصر على أن يكون لقبه "خليفة رسول الله" , وهو تعبير صادق وأمين عن الحقيقة. وجاء بعده "أمير المؤمنين" عمر بن الخطاب, الذي في عهده تم وضع التقويم الإسلامي ,واتفق على أن يبدأ التقويم بهجرة رسول الله ,وليس بتاريخ ميلاده .وربط التقويم بالهجرة يكشف عن فهم واع لقيم الإسلام . فهجرة الرسول إلى المدينة كانت رفضا للظلم والهوان الذي كان يمارسه كفار قريش ضد المسلمين في مكة, فضلا عن أنها كانت خطوة في اتجاه الانتقال بالإسلام من مرحلة الدعوة إلى مرحلة تأسيس الدولة.
ربط التقويم الإسلامي بالهجرة , هو إذن تأكيد لقيمة واعتزاز بحركة .هو التزام بمنطق التجريد دون التجسيد.
أما القائلون بربط التقويم الإسلامي بميلاد النبي عليه السلام ,فان هذا البعد يغيب عن أذهانهم .إنهم يريدون أن يربطوا التاريخ الإسلامي بشخص رسول الله, وليس بحركة الإسلام والمسلمين .وهم بذلك لم يختلفوا عن الغربيين الذين يرفضون استخدام كلمة المسلمين ,لأنهم عاجزون عن استيعاب معناها ,ويصرون على استخدام كلمة "المحمديين".
وذلك تصور غريب على روح الإسلام ,ناشز عن طبيعته ,متأثر الى حد كبير بالتفكير "المسيحي". الذي يقوم على اعتبار المسيح ابن الله ,إعلاء لمنطق التجسيد ,وربط الدين بشخصية السيد المسيح (علما بأن القرآن لم يستخدم أيا من تلك التخريجات المشتقة من اسم المسيح عليه السلام .ولم يتجاوز في إشاراته حدود "القيمة" ,واستخدم كلمتي :النصرانية والنصارى) ويتفق مع هذا المنطق أن يبدأ التاريخ بميلاد المسيح.
ويتداعى التجسيد حتى يصل إلى تنصيب شخص له قداسته مثل البابا أو البطريرك ,ومكان له قداسته مثل الفاتيكان والكنيسة.
وتسجل كتب التاريخ الإسلامي أن ربط كلمة الدين بأشخاص ذوي المناصب,تجسيدا أو احتماء أو تبركا ,حدث في أواخر العصر العباسي الأول. وهو العصر الذي اتسم بتقلص النفوذ العربي وتزايد تأثيرات أعاجم المسلمين ,فضلا عن التدهور السياسي والفكري الذي شهدته تلك المرحلة,والذي بلغ حد الانحطاط بالعصر العباسي الثاني.
ويذكر محمد كرد علي (الإسلام والحضارة الغربية ج2) أن أول من لقب بالدين في الإسلام بهاء الدين ابن بويه ركن الدين, وذلك في القرن الرابع الهجري ,وسرت هذه الألقاب إلى العامة والخاصة, ولم تخل منها إلا الأندلس ,لأن دولهم بقيت على عربيتها (ظلت الأندلس أموية بعد قيام الدولة العباسية).
ويضيف أن الترك درجوا على ذلك,حتى استشرت الظاهرة, وصار إذا"ولد لأحدهم مولودا لا يقدر أن يكنيه بفلان الدين إلا بأمر يخرج من السلطنة. فكانوا يعظمون على ذلك الأموال (يتقاضون أموالا باهظة)حتى يسمى أحدهم بفلان الدين"
منذ تلك العصور ,تسرب التجسيد في شكل جديد إلى الواقع الإسلامي, بتأثيرات العجم الذين لم يكونوا قد تخلصوا من آثار الوثنية والكسروية القديمة. وظهرت في قاموس أوصاف الزعماء والقادة , خصوصا في مناطق خراسان والهند وما وراء النهر, ألقاب مثل تاج الله وفخر الدولة, ومجد الله وكهف الأمة ,وبهاء الدولة وضياء الله...وهكذا.
وبعد ذلك عرفت في المناطق الفارسية وعند العثمانيين ألقاب أخرى مثل باد شاه الإسلام و شيخ الإسلام ,ومفتي الإسلام .إلى آخر تلك اللافتات التي لم يعرفها لا الإسلام ولا العرب!
واستقرت "البابوية الإسلامية" في العصر العثماني ,حينما أصبح هناك كيان ملموس للمؤسسة الدينية لأول مرة, وهي التي ضمت القضاة الشرعيين ورجال الإفتاء والعلماء البارزين وأصبح هؤلاء جميعا موظفين لدى السلطنة,يتقاضون رواتب شهرية, ويؤجرون -وأحيانا يستأجرون- من السلطان.
وإسقاط العصمة والقداسة عن "الأشخاص" أولى به في منطق الإسلام كل"الأشياء" أيا كان شكلها أو وظيفتها.
وإذا كانت صفة القداسة لم ترتبط بشخص في القرآن الكريم ,بل العكس هو الصحيح إذ أدان القرآن بشدة فكرة اعتبار المسيح ابن الله. إلا أن ذلك الوصف(القداسة) لم يطلق على أي من الأمكنة الا في سياق القصص القرآني ,وبالتحديد أثناء سرد قصة موسى عليه السلام ,عندما كلم الله في"الوادي المقدس" ,الذي قيل انه جبل الطور في سيناء. وعندما دعا قومه إلى دخول "الأرض المقدسة", والتي قيل أنها فلسطين ,في امتحان لصلابة إيمانهم بالله سبحانه . والقداسة في الموضعين لم تكن مطلقة ,ولكنها ارتبطت بعلة معينة وموقوتة بظروفها. فقداسة الوادي استمدت من أنه كان "المسرح" الذي جرى عليه كلام الله سبحانه لنبيه موسى .وقداسة الأرض في الحالة الثانية مستمدة من كونها تطهرت من الوثنية لما بعث الله فيها من الأنبياء دعاة التوحيد ,كما يقول الشيخ رشيد رضا في تفسير المنار(ج1) الذي يشير إلى أن المقصود بالأرض المقدسة هنا ,الأرض "المباركة".
في غير هذين الموضعين, وخارج السياق التاريخي ,فان القرآن الكريم لم يذكر كلمة القداسة مرتبطة بمكان على الإطلاق. وكل إشاراته بعد ذلك إلى خصوصية وتميز أماكن أو أشياء بذاتها استخدمت مشتقات لفظ"الحرمة" –وهو اختيار دقيق له دلالته- مثل الشهر الحرام والبيت الحرام والمسجد الحرام.
وحتى هذه الحرمة فليست مطلقة. فالقتال في الشهر الحرام(رجب) محظور إلا إذا تخلله عدوان على المسلمين ,فيجب أن يصدوا ويردوا متحللين من حرمة الشهر.
وذلك أيضا شأن البيت الحرام ,فانه إذا وضع في كفة, ووضعت كرامة المسلمين في كفة أخرى ,فالرجحان عند الله من نصيب تلك الكفة الثانية. وهذا ما تقوله بوضوح الآية217 من سورة البقرة: "يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه.قل قتال فيه كبير .وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام. وإخراج أهله منه أكبر عند الله....إلى آخر الآية".
وهنا حرمة نسبية, وليست قداسة مطلقة, لمكان واحد يرمز إلى تلك القيمة العظمى :عبادة الله سبحانه إذ هو أول بيت أقيم لعبادة الله في تاريخ الإسلام ,على يد أبي الأنبياء ,إبراهيم عليه السلام.
في غير هذه الحالة الفريدة والنادرة ,والمبررة ,فليس في التصور الإسلامي مكان "حرام" ,وان تعددت الأماكن واجبة الإجلال والاحترام!
لقد عاش المسلمون ثلاثة عشر عاما في بدء الدعوة ,دون أن يكون لهم مسجد-بالمعنى الشائع- يقيمون فيه صلواتهم,حتى أقيم مسجد قباء في يثرب (المدينة فيما بعد). ولم يقل أحد أن إسلام هؤلاء الرواد العظام كان ناقصا ,أو أن عبادتهم شابها قصور.
إن شمولية التصور الإسلامي التي اعتبرت كل حركة للإنسان خالصة لله بمثابة عبادة يفوق بعضها صلاة النوافل,هي ذاتها التي اعتبرت الأرض كلها مسجدا,إذ المسجد دينا ولغة هو كل مكان يصلح للسجود عليه (جعلت لي الأرض مسجدا ,وتربتها طهورا-حديث شريف). كما أنها ذاتها التي اعتبرت أن أبواب السماء مفتوحة في كل اتجاه (ولله المشرق والمغرب ,فأينما تولوا فثم وجه الله-البقرة,115).
لم يكن للمبنى والهيكل –ما بالكم بالضريح؟!-اعتبار أو دور ,عند قوم خاضوا أول معاركهم ضد الهياكل والأصنام !
قد يحن الإنسان إلى "الطوطم" الذي كانت تتعلق به قبيلته الأولى ,لكن ذلك حنين لا يجد له مكانا إلا عندما تفرغ القلوب من الإيمان بالله سبحانه وتعالى . عندما تنحني رؤوس العباد للعباد .لاهية أو ذاهلة عن رب العباد !
وهنا تكمن المشكلة ,ومن هنا ينبغي أن ينطلق الحل!
وفي التصور الإسلامي , إذا كان هناك مخلوق مقدس –إذا جاز التعبير- فهو الإنسان بكل تأكيد...ذلك الكائن الذي كرمه الله ونفخ فيه من روحه ,وسجدت له الملائكة ,وسخر الكون لأجله .لكنها تظل قداسة نسبية ,ومعلقة على شرط هو :الإيمان بالله وإحسان القول والعمل.








أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية