عبر العصور ودمشق تحمل للعالم شيئا من المفاجأة.مفاجأة الحرب ومفاجأة السلم كانتا دائما من أقدار دمشق.تاريخها مرصع بهذين الاحتمالين,حركتها مرتبطة دوما بهذين الخيارين.لكن العالم ينسى -أو يتجاهل-قدرتها على تحقيق المفاجأتين.ودمشق تريده أن لاينسى. تريده أن يدرك أن الشام لاتنام على كتف الأحداث غير عابئة بدورها .وتريده أن يقر أنها لا تغفو على يد الأزمات وكأنها لا تعنيها.إنها صانعة الأحداث وصانعة الأزمات ولا يمكن أن يغيب عن بال سوريا أبدا أن لها دورا فرضه التاريخ وأكدته الطبيعة الجغرافية.إن صناعة التاريخ في سوريا في دقة وعراقة صناعة"البروكار"أو"الموزاييك"أو"النحاس"أو"الأغاباني" وكثيرا ما تتنافسان.
الصناعات الحرفية الشامية تشتريها من سوق الحميدية.لكن صناعة التاريخ في سوريا لا يشتريها من يتجاهل دورها أو يتناسى قدرتها أو يحرف أهدافها.وإذا استطاعت كل من الولايات المتحدة وإسرائيل وأنصارها في العالم العربي وفي المحافل الدولية أن تظهر السياسة السورية دائما بمظهر "السوري البشع" فذلك يعود بالدرجة الأولى إلى فشل سوريا في استيعاب فن صناعة "العلاقات العامة"-على بساطتها ,والإقرار بأهميتها كسلاح من أسلحة القتال المشروع.فالذي يعرف كيف يصنع الفسيفساء الدمشقي مازال غير قادر على صناعة الخزف البشري.ذلك أن السوري المثقل بعبء التاريخ,يفترض تلقائيا أن قضيته معروفة وأن أهدافه غير مشكوك فيها وأن أحلامه السياسية هي أحلام عرب الشمال وعرب الجنوب وعرب الشرق وعرب الغرب.ولأن السوري يفترض أيضا أنه مازال يتكلم لغة العرب الآخرين نفسها. لغة الوحدة ولغة القومية ولغة التحرير ولغة العروبة.اللغة ذاتها التي تعامل بها أداة للحوار وللصراع منذ مطلع القرن العشرين.ناهيك بلغة الأمويين والحمدانيين والأيوبيين و...و...غيرها من لغات العز العربي.وإذا بالسوري يفاجأ في السنوات الأخيرة بأن هناك لغة لبنانية غير لغته ولهجة فلسطينية غير لهجته وكلاما مصريا غير كلامه,ولكنة خليجية غير لكنته.وإذا بصورة "السوري البشع" تزداد انتشارا من دون أن يستطيع-أو يحاول-أن يغير منها شيئا.
واكتشف السوري -بسذاجة متناهية-أنه إذا استعصى فهمه على الآخرين وشوه دوره,فعليه أن يثبت مصداقيته ساعة يستطيع على الأرض. وأصبحت الغاية تبرر الوسيلة وأصبح الوصول إلى الهدف أهم من الطريق إليه.وأدرك السوري أنه إذا كانت السياسة ميكيافيلية المسالك,فهو"الميكيافيلي"الأول.وإذا كانت السياسة سحرا شخصيا, فهو الساحر الأول.وإذا كانت السياسة مصالح متبادلة,فمصلحته هي الأولى.وإذا كانت السياسة ودا متبادلا ,فهوا لودود الأول.وإذا كانت كرها وأحقادا فهو الكاره والحاقد الأول.وأدرك السوري أخيرا أنه إذا لم يستطع أن يكون محبوبا فعليه أن يكون مهابا.
أسقطت السياسة السورية فن"العلاقات العامة"من حسابها,إلا أنها لم تسقط فن الدبلوماسية-الهجومية والدفاعية.ولم تسقط فن الحوار ولاأصول المرونة ولا قواعد التفاوض.ولا حتى حلاوة اللسان.إن السياسة السورية قادرة على الغزل بقدر ما هي قادرة على الجفاء. وكان يدعم ذلك دائما المعرفة بأن السوري قادر على القتال ساعة يمسك بالسلاح الجيد المتطور ويعطى له الهدف الذي صرف عليه كل ماله وحياته منذ الاستقلال إلى اليوم ضحى باستقراره وحرياته من أجله.قتال إسرائيل وتحرير الأرض العربية بتقديم كافة أشكال الدعم للمقاومة الحرة الشريفة الطاهرة والبريئة من عبث المتقولين والدساسين.فجأة يكتشف السوري أنه وحده,تقريبا,يريد أن يحارب ويواجه على أمل أن يحرر.
بعد كل احباطات السنوات الماضية.لم يعد عند السوري خيارات كثيرة إما أن يقاتل ويواجه ويصمد أو أن يذوب ويدجن ويهزم ويقهر عندئذ يحل"السلام الإسرائيلي-الأمريكي"ويكفي الله بقايا المؤمنين بالاستقلال الوطني-هذا إن بقي-والنضال القومي والتحرير الشامل والسلام العادل؟!,شر القتال.لقد علمنا التاريخ المعاصر ذلك منذ قيام الثورة العربية الكبرى إلى سقوط الوحدة-وعلمنا التاريخ الأقل معاصرة ذلك أيضا منذ قيام الدولة الأموية في دمشق الى سقوط الدولة الأموية في الأندلس.
يقول الأستاذ محمد حسنين هيكل في حديث له في أسبوعية"التضامن"انه عند الحديث عن سوريا,يجب التفريق بين سوريا التاريخية,وهي قلب العالم العربي بحكم موقعها وإمكانيات شعبها,وسوريا السياسية وهي السلطة الراهنة فيها في أي وقت من الأوقات".ويضيف هيكل قائلا:"إن حقائق الأمور تقول لنا أن سوريا السياسية-مهما اختلفنا أو اتفقنا معها-هي بحكم طبائع الأمور المفتاح العملي لباب سوريا التاريخية".
لقد استطاع هيكل بهاتين الجملتين أن يمسك بالمدخل الحقيقي لفهم جوهر الواقع السوري.لقد كانت سوريا التاريخية دائما تبحث عن النظام-أو الأصح البطل في داخله-الذي يستطيع أن يترجم(أو يوظف أو يستغل أو يستفيد حسب تعابير هيكل)هذا الدور التاريخي المميز الذي لاوجود لعالم عربي من دونه ولا لقضية عربية من غيره,ولم ينجح أي نظام سياسي في سوريا-ببطل أو بدونه-في تجاهل هذا الدور أو إهماله أو التخلي عنه لأي سبب.لقد استطاع السوري النظام السياسي في دمشق اليوم,أن يفهم سوريا التاريخية وان يوظف إمكاناتها ويستفيد من جغرافيتها ويستغل قدراتها ويحقق طموحاتها.ولايمكن لسوريا التاريخية إلا أن تأتمن على مفاتيح بابها وقلبها إلى من يحكم دمشق.لأنه لايمكن لسوريا السياسية اليوم الاأن تكون أمينة على سوريا التاريخية.وإلا فلا معنى ولا مبرر ولا عذر لكل أحداث السنوات الماضية.
سوريا العربية القلب والعقل والروح والتي عبر تاريخها الطويل خلال القرن الماضي منذ الثورة العربية الكبرى وطرد الاحتلال الفرنسي بزنود رجالها ,وسوريا التي دخلت أو ساهمت مباشرة في جميع أشكال الصراع مع إسرائيل منذ العام1948 ,بل ومنذ الشيخ عز الدين القسام عام1935 وحتى حرب تموز2006,وسوريا التي كان لها دور بغاية الأهمية في حروب الخليج الثلاثة فهي من طوقت الحرب العراقية الإيرانية وساهمت مستفيدة من علاقاتها الإستراتيجية مع إيران من امتداد تلك الحرب نحو بقية دول الخليج العربي,وسوريا التي شاركت بحرب تحرير الكويت,والتي فاجأت العالم بدخولها مؤتمر مدريد للسلام فتركها العديد من إخوتها العرب ,هي ذاتها سوريا العربية التي تدافع اليوم عن وحدة وعروبة العراق وتدعم المقاومة العراقية البطلة فيها وتدعو لمقاومة شاملة تضم جميع أبناء العراق دون استثناء,وهي سوريا التي تنتصر وتسقط كافة المشاريع الأمريكية والإسرائيلية بالمنطقة,وقد انتصرت عليهما فعليا ودفعة واحدة مع أنها تدعو للسلام مع إسرائيل والحوار مع أمريكا والبحث عن حلول تضمن انسحاب مشرف للقوات الأمريكية المهزومة عمليا في كل شبر من العراق,هي أيضا سوريا ذاتها التي تحولت كعاصمة للوحدة العربية والإسلامية وقلب العروبة والإسلام من خلال علاقاتها المميزة بل والنوعية مع كل من تركيا وإيران وهي العلاقات التاريخية والعميقة منذ فجر الحضارة الإسلامية,وسوريا التي كانت رأس مثلث التوازن العربي خلال العقدين الماضيين مع كل من السعودية ومصر,وسوريا التي قلبها فلسطين كل فلسطين دعمت وتدعم المقاومة الفلسطينية والحفاظ على الوحدة الفلسطينية وتصحيح بوصلة بندقيتهم نحو العدو الحقيقي أي إسرائيل,وسوريا التي خرجت من لبنان استجابة لإرادة شعبها العربي السوري فودعها أخوتها اللبنانيين الأشراف بالورود وقدروا لها دورها رغم حفنة المارقين ,والذين ستبقى سوريا شوكة في حلوقهم كما في حلوق أسيادهم في تل أبيب وواشنطن,سوريا التي عشقت وتعشق المقاومة اللبنانية الباسلة والتي ألحقت شر الهزائم بالعدو الإسرائيلي ستبقى هي سوريا ذاتها التي ستستعيد جولانها والقدس الشريفة ,فسوريا الأمس واليوم وغدا هي ذاتها لا تتغير مهما تغير الزمن.
وأعود لمقال رياض نجيب الريس الشهير خاتما:"سألني صديقي بعامية محببة:"ليش طالعة سوريتك هل أيام؟"
قلت له:لأنه لم يعد في هذه الأيام-وقد ساوت الهزائم بين العرب ولم يعودوا يروا الانتصارات-من يشفع لعروبتي ويؤكد قوميتي إلا سوريتي.ومن كان من العرب بلا خطيئة فليرم سوريا بحجر!." كتبها أو أعاد صياغتها:محمد زعل السلوم عن رياض نجيب الريس بمجلة المستقبل 1983.











08 فبراير, 2007 01:28 ص