محمد زعل السلوم
يحمل تاريخ سورية وعبر مراحله ,وحسب تلك المراحل,الكثير من التقلبات في العلاقات مع الدول عربيا وإقليميا ودوليا ,وقد اعتادت السياسة السورية تلك التقلبات فهي تؤمن برسالتها الإنسانية,فقد تختلف حتى مع حلفائها إذا كان الأمر يتعارض مع مصالحها,وهي تريد البقاء حرة في قراراتها دائما وأبدا.
كما أنها ليست بالدولة العادية في وضعها الجيو سياسي البالغ التأثير في منطقة تتداخل فيها المصالح وتنقلب فيها الخرائط,وهذه التقلبات الكثيرة لم تتمكن من اختراق الجدار الحديدي السوري القائم أساسا على الوحدة الوطنية والمبادئ القومية,وهذا ما أعطى سوريا بعدا يتجدد باستمرار,وقد شهدت سوريا مؤخرا وخلال الأعوام الماضية ما يمكن تسميته "ولادة الجمهورية السابعة" والتي بدأت ولادتها مع احتلال العراق وخروج سوريا "عسكريا"من لبنان أي "عودة سوريا إلى سوريا" وبالتالي فقد تحولت الأولوية للمصالح السورية البحتة والمباشرة,وبذات الوقت استطاعت سوريا بذلك الانسحاب أن تعيد حساباتها الداخلية والعربية والإقليمية والدولية أمام "النموذج العراقي" الأخاذ...؟! كما تمكنت من استغلال الفشل الأمريكي المتراكم هنا وهناك, واستطاعت براعة الدبلوماسية السورية البراغماتية والحيوية القائمة على كافة الصعد وصمودها وممانعتها ودعمها اللامحدود لحلفائها وحفاظها على علاقاتها المتميزة مع المقاومة العربية المتنقلة من بلد إلى آخر,فاستطاعت تحقيق العديد من الانجازات على صعيد سياستها الخارجية وتلافي الأزمات الداخلية والتركيز على الوطنية السورية ,ولكن ليس على حساب كونها جزء من الأمة العربية وامتداد طبيعي لها ,وهذا مادفعها لذاتها أكثر بقدر ما دفعها لدبلوماسية هجومية دفاعية خارجية ومناورات من الكر والفر,كل ذلك أعطاها قوة ودفعة إلى الأمام .
لماذا "ولادة الجمهورية السابعة" وما هي الجمهوريات الست السابقة؟
في الحقيقة يمكنني تقسيم جمهوريات سوريا السبع على الشكل التالي:
1-جمهورية ما تحت الانتداب "الجمهورية الأولى 1943".
2-جمهورية ما بعد الاستقلال "الجمهورية الثانية 1946-1949".
3-جمهورية الانقلابات الأولى "الجمهورية الثالثة 1949-1958".
4-الجمهورية العربية المتحدة "الجمهورية الرابعة 1958-1961" وهي فترة الوحدة السورية-المصرية.
5-جمهورية الانقلابات الثانية "الجمهورية الخامسة 1961-1970".
6-جمهورية الحركة التصحيحية والتي أسسها الزعيم الراحل حافظ الأسد "الجمهورية السادسة 1970-2003".
7-الجمهورية السابعة "وبدأت مع احتلال العراق2003 والانسحاب من لبنان 2005 وانتصار المقاومة في حرب لبنان الثانية2006 وقد أدخل هذا الانتصار لوحده مع هزيمة إسرائيل في غزة أدخل سوريا في عصرها الذهبي الجديد وأصبحت جزءا هاما في المعادلات الدولية كما كانت بالسابق ولكن بقوة أكبر"
ما هي أسس الجمهورية السابعة؟
-الأسس الاقتصادية والعلمية والثقافية
إن الأسس الطبيعية لأي دولة بالعالم قائمة بالأساس على انجازاتها العلمية والاقتصادية والثقافية ومدى تأثيرها على المحيط,وقد حملت سوريا مؤخرا الكثير من المفاجآت , فهي تشهد ازدهارا اقتصاديا "اقتصاد السوق الاجتماعي والتطور الصناعي والسوق العقارية والسياحية والمالية والمصرفية" وعلميا "بنك العيون حيث يوجد 40 ألف أعمى بسوريا وهم بحاجة في غالبيتهم العظمى إلى قرنيات وتكلفهم تلك القرنية لاستيرادها ما بين 70و120 ألف ليرة وهي مكلفة بالنسبة للفقراء وبالتالي أسس السيد الرئيس هذا البنك لمساعدة الفقراء وهو انجاز إنساني وطبي وعلمي بحت ",وصناعيا "من يزور أي مدينة صناعية بسوريا يكتشف عدد المصانع الكبير والمتزايد باطراد" وغيرها من الانجازات السريعة والفاعلة على المستويات كافة,ومع ذلك فينقصها الكثير ,ولكنها أثبتت قوة اقتصادها المتعاظم رغم الضغوط الدولية الغير مسبوقة عليها مما دفع بالمستثمرين إلى التدفق أكثر على السوق السورية.
-الهويات السورية الثلاث
كما أثبتت سوريا تألقها الثقافي والعلمي على المستويات العربية والإسلامية والدولية كافة ,فسوريا تحمل ثلاث هويات في آن معا وهي العربية والإسلامية والإنسانية مما يجعلها أكثر قدرة على التحرك والفاعلية.فهي لا تتميز عن بقية أمتها العربية أو الإسلامية أو حتى الإنسانية ولكنها تسعى للتميز وتبحث عن المنافسة الحثيثة والمؤثرة إيجابا على علاقاتها داخل عالمها العربي وخارجه.
-هل ستصبح دمشق عاصمة كونية؟
في الحقيقة أعجبني هذا المصطلح "دمشق عاصمة كونية" حين سمعته لأول مرة عام 2005 بلسان مدير الثقافي الاسباني بدمشق في حفل توقيع كتاب للفيلسوفة الاسبانية "ماريا ثامبرانو",ثم تعززت تلك المقولة على لسان مخرج دنمركي من أصل سوري في ختام مهرجان "كوبنهاغن-دمشق" بعد ثلاثة أشهر من الفعاليات الثقافية المتنوعة ,وقال أتمنى أن تتحول دمشق كما كانت عاصمة تاريخية إلى مدينة بمستوى برلين وباريس ونيويورك فتتألق دائما وتتجدد بقوة وفاعلية.
-الأسس السياسية
انتزعت سوريا مؤخرا إعجاب دول العالم كافة وأثبتت قوتها ووجودها على الساحة العربية ,كما أثبتته على الساحتين الإقليمية والدولية,وهذا الانتزاع لم يأت إلا بسبب الرهانات السورية الرابحة والقائمة على ثلاثة مبادئ وهي:
1- سوريا دولة ممانعة للمشاريع الأمريكية بالمنطقة.
2- سوريا دولة داعمة للمقاومة العربية في العراق وفلسطين ولبنان وتتحمل ما يترتب على ذلك الدعم من ضغوط متنوعة.
3- سوريا دولة راعية ومحتضنة لكل عربي يقدم إليها.
كما يمكن تقسيم تاريخ سوريا منذ الاستقلال إلى اليوم إلى قسمين:
1-سوريا المستقلة اللامستقرة "المنغلقة على ذاتها نوعا ما".
2-سوريا المستقلة المستقرة منذ عام 1970 "وهذا يعني ضرورة نهوضها وازدهارها وتأثيرها وهذا لا يعني دفن رأسها داخل الأحداث بل عليها -كما كانت ولازالت- أن تملك أجندتها القديمة والمتجددة ومشاريعها التكتيكية والإستراتيجية".
-قضايا سوريا المركزية
أخيرا تحمل قضية استعادة الجولان قضية الجمهورية السورية السابعة المركزية وطنيا فيما لازالت تحتل القدس قضيتها المركزية قوميا ."في الحقيقة للمقاومة العربية في لبنان وفلسطين والعراق فضل على الأمة العربية وهو ما يجب الإفادة منه وخصوصا حرب لبنان الثانية والتي أدت لهزيمة إسرائيل عسكريا وسياسيا وبالتالي فنحن نرى أن استعادة الجولان بالسيف لا بالكيف مع عدو لا يعترف أساسا بالقوانين والشرعية الدولية والتي بات دورها مؤخرا-أي الشرعية الدولية-مجرد كذبة وألعوبة أمريكية أخرى كأداة للسطو المسلح على الشعوب.
سوريا - دمشق












06 مايو, 2007 02:19 م