zaalsalloum

واضحة ويسهل الوصول اليها

معكم حتى الموت

يتضمن هذا المقال أجمل ما قرأت وفيه تظهر معاناة مدينة دمشق من احدى مشاكلها الثلاث وهي السكن العشوائي والعجز المائي والأزمة المرورية واليكم المقال عن صحيفة الثورة:

البلد لوجيا
الخميس 10/5/2007
سلمان عز الدين

(هجر سكان ضاحية الأسد في حرستا منازلهم, منذ أربعة أيام, بسبب انقطاع المياه تماماً من حيهم).. هذا هو تقريباً الخبر الخجول الذي خبأته صحيفة محلية في إحدى زواياها السرية.

لو واتى الحظ سكان الضاحية, لكانوا قد عاشوا في الألف الثانية أو الثالثة قبل الميلاد, الشيء الذي كان سيجعلنا اليوم مشغولين بالتساؤل عن السر الغامض وراء ترك هؤلاء البشر لبيوتهم بشكل فجائي, ولكنا ألفنا الكتب واجترحنا مئات النظريات حول (اللغز الكبير وراء الاندثار الصامت للحضارة الحرستانية الغابرة).. أما وأن الحظ العاثر لهؤلاء المساكين جعلهم يعيشون في عصرنا نحن, حيث الصحافة الملتزمة والتلفزيون الرسمي الرصين المشغول بالقضايا الكبرى, فقد كان نصيبهم هذا الخبر اليتيم وحسب.. على كل هناك أمل بأن يتكرم مسؤول ما (رئيس بلدية أو رئيس وحدة مياه أو أمين فرقة حزبية) بالرد مؤكداً أنه يعمل (جاهداً وفق خطط طموحة, تأخذ بعين الاعتبار احتياجات الأخوة المواطنين وبما يتناسب مع الإمكانيات المتاحة وفي سياق الظروف الموضوعية الدقيقة والمنعطفات الخطيرة) مذكراً بأنه لا يزال يقف بإباء جندياً وفياً, خلف الحكومة الرشيدة, معاهداً على تنفيذ توجيهاتها السديدة.‏‏

لا مياه في حرستا ولا في صحنايا ولا في جرمانا ولا الكسوة ولا المعضمية ولا في أي من ضواحي دمشق (وقريباً في دمشق نفسها).. وإذا كان هجوم الصحراء الشرس هذا سيساهم في حل أزمة السكن عبر توفير الكثير من البيوت المهجورة, فهو كذلك سيوفر لنا المزيد من الرمال كي ندفن فيها رؤوسنا.‏‏

ثمة عزاء لسكان ضاحية حرستا, فالدراسات المائية تشير إلى أنه علينا جميعاً أن نحزم أمتعتنا ونستعد للرحيل, وهي إذ تقول كلاماً عائماً وتختبئ خلف مصطلحات علمية ناعمة مثل: خطر الاستخدام غير الرشيد, وعدم التناسب بين الموارد والاستهلاك.. فإنها في الواقع تقول (ضمناً) أمراً واحداً مؤكداً وثابتاً: سوف تنضب مياهنا قريباً, أما الأمر غير الثابت وغير المؤكد فهو ما إذا كان هذا سيحدث عام 2020 أو 2025?‏‏

إذاً ما على سكان الضاحية إلا أن يتشبثوا بالحياة بضع سنوات أخرى, حتى نهب سنة 2025 لتسليتهم ونموت معهم من العطش.. ميتة رجل واحد.‏‏



أضف تعليقا