قيل ذات يوم في الحديث عن الصراع العربي الإسرائيلي بأنه :لاحرب مع إسرائيل بدون مصر ولا سلام معها بدون سوريا ,أما وقد تم تحييد دور مصر الحربي فقد بقي أن يتم تحييد دور سوريا السلمي.
لكن المعادلة تغيرت بل وانقلبت بعد حرب تموز 2006 فقد عززت تلك الحرب الدور السلمي لسوريا من حيث تأثيرها وثقلها المادي والمعنوي وربطته بالدور اللبناني وتحديدا المقاومة اللبنانية والفلسطينية ,وباتت تلك المقاومة هي العنوان المتحرك والفاعل الذي كتب تحته السوريون واللبنانيون والفلسطينيون معا خصائص السلم المشترط قيامه سواء على طرفي طاولة الحوار أو من خلال التحاور بالبندقية ,فكما توحدت المقاومة اللبنانية والفلسطينية والسورية في حرب لبنان 1982 وانصهرت في بوتقة واحدة أدت لهزيمة إسرائيل وانسحابها عام 1985 حتى خط 1978 ثم الهزيمة المنكرة والفرار في جنح الظلام عام 2000 وصولا الى هزيمة 2006 التاريخية وقد أكدت المعادلة الثلاثية تلك إمكانية تحرير الأرض دون إذعان أو استسلام ,فانسحاب إسرائيل من غزة عام 2005 وتفكيك المستوطنات جاء تحت ضربات المقاومة الفلسطينية.
كسرت سوريا معادلة أمريكا القائمة على نظرية "لا حرب ولا سلم" بينها وبين إسرائيل ,وفرضت الشام نظريتها على إيقاع التاريخ الحديث بأنه "لا حرب مع إسرائيل من دون سوريا ولا سلم معها أيضا دون سوريا" وهي حالة ليست غريبة على دمشق منذ الدولة الأموية. بل وأثبتت أيضا معادلة "لاحرب على سوريا ولا سلام ستنعم به إسرائيل".
ذكرت مجلة أمريكية ذات يوم ما مؤداه: لو كان بإمكان إسرائيل أن تسحق سوريا لقاء خسائر معقولة لما تأخرت عن ذلك يوما واحدا .ولوكان لدى إسرائيل القدرة العسكرية الكافية لمهاجمة إسرائيل وطردها من هضبة الجولان لما تأخرت أيضا يوما واحدا. ولكن سوريا اليوم ليست كسوريا ما قبل حرب 2006 أو ما بعد استمرار غرق الجيش الأمريكي في الوحل العراقي منذ عام 2003 .
المحصلة البديهية هي أن سوريا وإسرائيل خصمان لدودان لا تتسع طاولة مفاوضات لحوارهما وليس لمنطلقاتهما مجال يمكن أن تؤطره تسوية.ما لم يكسر الجليد الذي يفصل بين تفكيريهما أو تحطم الأسس التي تعدم منطق أحدهما أو يتهاوى السقف الذي يظلل إرادة هذا أو ذاك.
إذا والحالة هذه ,فان هذا الجزء من العالم,بل المنطقة يعيش دوامة عاصفة لا يتاح الخروج منها إلا عن طريق أعمال أو مواقف حاسمة أو أن يبقى الوضع على ماهو عليه ريثما تتبدل أو تتعدل المعطيات الراهنة أو تستجد معطيات أخرى ليست ضمن الحسبان المنظور...
لعبة عض الأصابع مستمرة وينتظر كل منهما تأوه الآخر وإسرائيل اليوم تتأوه ولو أنها تحاول خفض جناحها تفلتا من أسنان غريمتها...ضمن فرضية معقولة.
فسوريا ترى أن الجولان سيعود الى أحضان الوطن عاجلا أم آجلا والأسنان التي تعض على الأصابع لا تنفك تشد ..وتشد وقوة الشد ليست من نوع واحد...فالأصابع الإسرائيلية اليوم تتلوى ألما تحت جاروشتي المقاومة اللبنانية والفلسطينية بل قطعت جاروشة المقاومة اللبنانية معظم الأصابع الإسرائيلية إن لم نقل كلها وسوريا حققت بالمقاومة اللبنانية والفلسطينية ما تتطلع إليه في المقاومة كصوانة تلقم بها الحنجرة الإسرائيلية فإسرائيل تنظر الى سوريا كلقمة زقوم تغص بها كلما أغرتها مائدة والمقاومة لم ترفض هذا الدور لأنها طالما تطلعت لما هو أكبر وأعظم وفاءا لرسالة سماوية تطوعت هي لأدائها فكان النصر الإلهي في الصيف الماضي.
وتأكد للعالم أن سوريا والمقاومة صنوان كل منهما عنصر مهم في استقامة الآخر.لأن المدى الاستراتيجي السوري رحب وعميق جدا وأن دور هذا العمق آت حتما والاستفادة من ضرورة مستقبليته وفاعليته قدر لاريب فيه. ولا يغيب عن السوريين أنهم هم أنفسهم ذوو طاقات غير ضعيفة أو حبيسة وسيكون من أهم منعكسات زج هذه الطاقات في المعارك الحاسمة,وتحولها الى صاعق يفجر طاقات عربية مكملة ورديفة وقد أثبت الشعب العربي في سوريا مصداقيته عبر التاريخ منذ الاستقلال وما قام به العمال السوريون من تفجيرهم لخط التابلاين النفطي إبان العدوان الثلاثي على مصر عدا جول جمال ,وقرار الوحدة مع مصر وإسقاط حلف بغداد وإيقاف الحرب الأهلية اللبنانية عام 1958 ,وأحد طرفي الكماشة عام 1973. وإنقاذ لبنان وإيقاف حربها الأهلية ,والشباب السوري الذي ضحى وبكل بطولة وشراسة في حرب لبنان 1982 وفي الغزو الأمريكي للعراق 2003 فكانوا الورود التي بذلت لإشعال شمعة المقاومة في ظلام المحتلين وحتى في حرب 1948-1949سقط نصف ضباط الجيش السوري شهداء لفلسطين فضلا عن شهداء جيش الإنقاذ الذي انطلق عبر دمشق ولم ينته قطاره الى يومنا هذا,وسبق ذلك مشانق السفاح في دمشق عام 1916 فكانت الثورة العربية الكبرى ,وليس أمام سوريا اليوم إلا أن تتطلع لتغيير خارطة التاريخ وأن تنتقل من مرحلة التريث كحمامة سلام الى صقر جارح يتناسب وإمكانات شعبها الحر الأبي عبر العصور,فسوريا اليوم تتطلع لتحقيق الاستقرار الدائم في منطقتها ولا يمكن ذلك إلا بتحرير الجولان وإعادة القدس للعرب وبالتالي سيمكنها حينئذ تحقيق تنميتها الشاملة والفاعلة على مستوى العالم والتي طالما تأمل تحقيقها ولذلك فلابد أن يأتي اليوم الذي ستهز به الشام رمحها وتستل سيفها الدمشقي العتيق دون صدأ لاستعادة حقها المشروع.
محمد زعل السلوم
سورية دمشق








أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية