في داخل كل إنسان ضوء أحمر يستطيع التمييز بين الخير والشر بالفطرة، ويطلق العلماء على هذا الضوء اسم “الضمير الإنساني”، ولكنني أفضل أن أطلق عليه اسم “الفطرة الإنسانية” لأن الخير فطرة إنسانية، والشر دخيل عليها. ويفعل الإنسان الشر في حالة واحدة هي: “غفوة الفطرة أو تشوهها”، وعندما تستيقظ، يندم على ما فعل ويعود تلقائيا إلى عمل الخير.
وغفوة الفطرة قد تطول أو تقصر، وقبل أيام، نشرت الصحف خبراً كشف أن غفوة الفطرة لدى لص بريطاني استمرت ثماني سنوات، وذكرت أن اللص ندم على سرقة نفذها قبل هذه المدة، وأرسل تعويضاً مالياً إلى صاحب المحل الذي سرقه، مع رسالة اعتذار.
ومن الكتب الطريفة التي قرأتها كتاب من تأليف لص محترف سرق عشرات الملايين خلال فترة 34 عاما أمضاها في احتراف السرقة، وعندما استيقظت فطرته، وقرر تغيير مسار حياته، نشر كتاباً اعتذر فيه إلى ضحاياه وشرح الأسلوب الذي اتبعه في كل سرقة نفذها، وقال إنه يشعر بندم شديد على ما فعل. وكم كانت نبرة الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون صادقة عندما فاجأ الأمريكيين باعترافه بالتجسس على الحزب الديمقراطي في فضيحة ووترجيت، وقال في كلمة بثتها شبكات التلفزيون: “أشعر بالخزي لأنني خنت ثقتكم، وخذلت الذين انتخبوني”.
وفي الولايات المتحدة دخل أحد القضاة السجن بسبب جريمة ارتكبها، ومن وراء القضبان كتب كتاباً بهذا العنوان تحدث فيه عن تجربته. وفي كتابه، لم يحاول تبرير جريمته، ولكنه قال إنه كان يشعر بأنه لم يرتكب خطأ عندما فعلها، ولكنه أدرك خطأه في ما بعد، وندم عليه. ويقول: “كل متهم مثل أمامي في المحكمة أثناء ممارستي لمهنة القاضي كان يصر على أنه بريء، فأسخر منه، وأشعر الآن بأنني كنت مخطئاً، فالسارق يرتكب جرم السرقة لأنه يشعر بأن من حقه الحصول على المال، كغيره من البشر، والقاتل يقتل غريمه لأنه يشعر بأن من حقه العيش بأمان بعيداً عن المضايقات والتهديدات التي يشكلها له، ولكنه يدرك خطأه في ما بعد”. ويضيف: إن تجربته وراء القضبان كشفت له أن باستطاعة المجرمين تغيير مسار حياتهم إذا وجدوا من يحسن توجيههم.
والتوجيه الصحيح يبدأ بإشعال الضوء الأحمر في الداخل، وتبصير الإنسان بفطرته، والأديان السماوية أدركت ذلك، واعتبرت أن بناء المجتمع المثالي يبدأ من هذه النقطة.







