تحدثنا عن النظافة أمس الأول، وكم يبدو طريفاً أن يخبرنا المؤرخ تاسيتوس الذي كان يحتل مقعداً في مجلس الشيوخ الروماني، أن الحمّام اليومي بعد الاستيقاظ من النوم مباشرة كان “رياضة الصباح” بالنسبة إلى الجرمان الأشداء. ويقول تاسيتوس، الذي عاصر أربعة قياصرة رومان: “كان الجميع يستحمون في الأنهار مراراً، رغم البرودة الشديدة”.
ولكن أبو بكر الطرطوشي، الفقيه والقاضي الأندلسي، لا يلاحظ هذه النظافة لدى الجرمانيين أو غيرهم في أوروبا، ويقول: “لن ترى أبداً أكثر منهم قذارة، فهم لا ينظفون أنفسهم، ولا يستحمون إلا مرة أو مرتين في السنة، بالماء البارد، وأما ثيابهم فإنهم لا يغسلونها بعدما يرتدونها حتى تصبح خرقاً بالية”.
وفي أوروبا، يعرف الناس الحمّامات الرومانية، والحمّامات التركية، ولا أحد يتحدث عن حمّامات إيطالية أو بريطانية أو فرنسية أو ألمانية، وأثناء زيارتي لقصر فرساي في باريس لفت نظري أن القصر بأكمله من دون حمّامات، إلى درجة أن جولتي السياحية في القصر تحولت إلى سؤال كبير ظل يلح على وجداني: “ألم يكن لويس الرابع عشر، ملك الشمس، يستحم، وأين”؟ وطرحت السؤال على الدليل مبتسماً، وأنا أداري خجلي، خشية اتهامي، على أحسن الفروض، بالسذاجة أو الجهل، ولكنه قال لي إن سكان القصر كانوا نادراً ما يستحمون، شأنهم في ذلك شأن كل الأوروبيين، وعندما يرغبون في الاستحمام كانوا يذهبون إلى نهر السين الذي يخترق باريس. وقال لي الدليل إن الأوروبيين كانوا يستحمون في الأنهار بشكل مختلط، فجاء أساتذة الطهرة والعفة في القرون الوسطى وعلموهم كيف يخجلون، وكيف يرون في الجسم العاري جرثومة الشر والغواية، ومن هنا أصبح الاستحمام (الذي يتضمن تعرية الجسم، ولو في غرفة صغيرة خاصة) يحمل طابع المعصية، وفي الوقت نفسه أصبحت العفة تقاس بدرجة القذارة. وكان الأوروبيون في القرون الوسطى يلبسون الكثير من الثياب فوق بعضها لتخفيف رائحة أجسامهم.
ولعلنا نلاحظ أن الناس العاديين، في الأفلام التاريخية التي انتجتها هوليوود عن أوروبا، تبدو عليهم سمات القذارة، في الوقت الذي كانت فيه مدينة كبغداد، تزدحم بآلاف الحمّامات الساخنة التي تستخدم خبراء تدليك ومزينين، وتضعهم في خدمة رواد الحمّامات.
وعندنا “النظافة من الإيمان”.








من سوريا
شكرا لهذه الروح الطيبه
وعطائها
كن بخير