لو شئنا التعريف الدقيق لمفهوم الأزمة فإن معظم ما يطلق عليه الآن “أزمات” ليس كذلك، فالأزمة تأتي بعد انفراج أو حالة من الاستقرار، وما من شيء كهذا كان قائماً في عالمنا وبالتحديد في منطقتنا منذ قرون.
ومن قالوا وهم على درجة من التفاؤل: اشتدي أزمة تنفرجي، فاجأهم التاريخ بمكره المعهود، فأدى إلى الانفجار وليس إلى الانفراج، وقدر تعلق هذه التداعيات بغزة فإن لكل غزته التي يغني لها أو عليها في هذا الليل الشتائي الطويل..
وغزة العجوز الذي يرتعش برداً وألماً بلا غطاء ودواء ليست غزة السياسي المحترف، الذي لا يطيق البطالة عن حرفته، وغزة التلميذ الذي نفد الكاز من المصباح الذي يقرأ في ضوئه الشحيح ليست غزة المستوطن الذي يعاني من فائض الكهرباء والماء والدفء.
وغزة الفلسطيني الذي لم يقبل القسمة إلا على نفسه ولم يصنف فتحاوياً أو حمساوياً ليست غزة من حول الهوية إلى سلعة والفندق إلى وطن، والبندقية إلى عصا.
بالأمس القريب كان لكل عراقه، بدءاً من المقاول حتى المقاتل، وليس انتهاء بالمخاتل حتى ضاع العراق أو أوشك أن يضيع.
إن العرب الآن يتعاطون مع أدق وأخطر قضاياهم باستخفاف، وقد تحظى مباراة كرة قدم بأكثر مما يحظى به مخيم على تخوم الإبادة.
إنهم يتحاورون بل يتساجلون حول عدد الشياطين أو الملائكة على رأس الدبوس وليس حول عدد المستوطنين في الضفة الغربية والقدس التي يجري تهويدها وتأبيد احتلالها.
إن منطق تبادل الإدانات والتجريم والتخوين أودى بثلاثة أرباع طاقاتنا على الأقل وتحولت ثقافة برمتها إلى غيمة لا تنقطع وهكذا نسبت الكوارث إلى مجاهيل، وحل نائب الفاعل مكان الفاعل وأصبحت الأم مضطرة للمفاضلة بين أبناء ربتهم بالتبني وآخرين ولدتهم من رحمها.
ما ذنب مئات الألوف من الفلسطينيين العزل في غزة وهم يحصون أيامهم ولياليهم بعدد الضحايا، سواء كانوا ضحايا قصف ومطاردة أو ضحايا تجويع وحصار؟
وهل يمكن للقادمين من العرب بعد عشرين عاماً أو ألف عام أن يصدقوا بأن ثلاثمائة مليون عربي فشلوا في فض الاشتباك بين فتح وحماس وبين اليدين اللتين تحولتا إلى عدوين رغم أن العدو واحد والألم واحد والحلم واحد.. أو كان ذات يوم واحداً؟
إن ما كان إجرائياً وعابراً تحول إلى استراتيجي ومزمن ما يضاعف من تعقيد الأمور، فغزة ليست النهاية، إنها فاتحة زمن عربي استشرى فيه الوباء وانقضت فيه الضحية على توأمها، وحين تصاب البوصلة بالعطب فإن كل شيء يصبح مباحاً لذوي القربى بقدر ما يصبح متاحاً للأعداء.
إن أخطر ما في هذه المسألة هو أن متوالية الانشقاق أصبحت أميبية وشملت الخندق والمدرسة والمسجد.







