يعد النظام الإقليمي الخليجي نظاماً فرعياً عن النظام الإقليمي العربي والنظام الشرق أوسطي. ويعود تشكل هذا النظام بالمعنى النظامي للمصطلح إلى مطلع العقد السابع من القرن العشرين، حين غدت كافة وحداته دولاً مستقلة. ويصعب تتبع تطور هذا النظام بمعزل عن تفاعلات النظام الإقليمي العربي، الذي أثر بعمق في نشأته التاريخية ومساره اللاحق. بيد أن النظام الإقليمي الخليجي لا يحمل كافة السمات الهيكلية للنظام الإقليمي العربي، وهو لا يمثل صورة مصغرة له بالمدلول النظامي للمصطلح.
على صعيد تفاعلات النظام الإقليمي الخليجي، ساد مناخ الاستقطاب الدولي بيئة العلاقات العراقية- الخليجية خلال العقدين الرابع والخامس من القرن العشرين، ليشكل عاملاً طارداً لفرص التقارب بين الجانبين، ليس لأن العراق والخليج كانا ضمن خيارين دوليين متباينين، بل لأن الاستقطاب الدولي الذي ساد المنطقة، دفع ضمناً باتجاه تطلع عراقي نحو الزعامة الإقليمية. وعندما وصل عبدالكريم قاسم إلى السلطة في الرابع عشر من تموز/ يوليو من العام ،1958 سارع لطرح نفسه زعيماً قومياً، وتطلع بتعجل إلى إبراز دور العراق القومي والإقليمي في مواجهة الجمهورية العربية المتحدة، السورية المصرية، حيث البعث والناصرية بثقليهما الجماهيري الذي كان ممتداً حينها بين المحيط والخليج. وهنا، اتجه قاسم لابتداع شعار جديد هو “البوابة الشرقية للوطن العربي”، حيث يمثلها العراق، ليعزز بذلك من أوراقه في مقابل البعث والناصرية، وفي الوقت نفسه في مقابل إيران التي عناها بهذا الشعار.
إنّ اصطدام قاسم بطهران، أو لنقل تأطير هذا الاصطدام بإطار أيديولوجي، قد أعاد تشكيل الاستقطاب في البيئة الخليجية. وفي إعادة التشكيل هذه، تعمق التقاطب الخليجي- العراقي وتزايد تموضعه الأيديولوجي، بل وعكس للمرة الأولى نفسه على الأوضاع المحلية في دول الخليج نفسها، حيث وجد “الزعيم” قاسم بين الخليجيين من يؤمن بمقولاته وينحو باتجاه تطلعاته. وهنا، لم تتأثر البيئة الداخلية للخليج على صعيد العلاقة بين الأنظمة وحسب، بل كذلك على مستوى الساحة الشعبية التي وجدت نفسها هي الأخرى في خضم استقطاب متشعب وحاد.
وقبل أن نتحدث عن تجربة البعث الثانية، بصفة خاصة، ربما يمكننا القول على وجه مجمل، أنّ عهد الأخوين عارف، كان أقل حدة على صعيد الاستقطاب العراقي- الخليجي. لقد بدأ البعث عهده الأول، كما الثاني (اعتباراً من تموز/ يوليو 1968) بنفير أيديولوجي غير مسبوق في تاريخ المنطقة. وهنا تحركت إذاعة “صوت الجماهير” لتدعو صراحة للإطاحة بالأنظمة الخليجية من الكويت وحتى عُمان. وسارت أناشيد الحزب ومنشوراته في الاتجاه ذاته. واتجه بعث العراق محاولاً مد ذراعيه إلى الاتجاهات القومية الأخرى في الخليج، تلك التي فقدت مظلتها بفعل “المتغير الناصري”، أو لنقل بفعل تطورات ما بعد نكسة يونيو/حزيران. وإضافة إلى اصطدامه بدول الداخل الخليجي، بدأ بعث العراق عهده بصدام مدوٍ مع طهران، التي نظر إليها كقلعة إمبريالية، فرعية أو تابعة، مستنفداً في توصيفها كل مخزونه الأيديولوجي، بل ومخزون خصومه أيضاً.
إنّ المتغير العراقي هذا، قد دفع باتجاه إعادة تدوير للتحالفات السائدة في البيئة الخليجية، ولكن من دون أن يعيد إنتاجها. دفع هذا المتغير باتجاه اقتراب إيراني- خليجي حذر ووجل، مشبعاً بالشكوك والهواجس المتبادلة، اقتراباً خفف من حدة الاستقطاب في جبهته هذه، ليخلق استقطاباً مضاعفاً في الاتجاه العراقي. وقد كانت الخيارات الدولية لكل من إيران ودول الخليج متماثلة على مستوى المخرجات، لكنها متباينة على مستوى منظور الطرف الآخر، وتحديداً الولايات المتحدة. فقد كانت طبيعة الوظيفة الجيوبوليتيكية للأطراف الإقليمية متباعدة إلى حد كبير في المدرك الاستراتيجي الأمريكي، الأمر الذي خلق تخلخلاً بيّناً في الاقتراب الخليجي- الإيراني، بل وسطحه.
وفي العام ،1975 جاءت اتفاقية الجزائر بين بغداد وطهران، لتدفع باتجاه إعادة رسم جزئي لبيئة التفاعلات في النظام الإقليمي الخليجي، فقد هدّأت الحرب الإعلامية والنفسية بين العراقيين والإيرانيين، وأفسحت الطريق أمام العراق لتركيز جهوده نحو الداخل الخليجي، تماماً كما فتحت أمامه الطريق لتصفية الحركة الكردية المسلحة في شمال العراق. ومن جهتها، بدت طهران، وقد خرجت منتصرةً في هذه الاتفاقية، الأمر الذي عزز من تطلعات قادتها لفرض خياراتهم الأمنية على المنطقة. أما دول الداخل الخليجي، فقد وجدت نفسها أمام نمط متزايد من الضغوط المتأتية من التطلعات العراقية والإيرانية، هذه التطلعات التي لم تُعِد إنتاج الصراع بين بغداد وطهران وحسب، بل كذلك بينهما وبين الخليجيين. وبهذا المعنى لم تكن اتفاقية الجزائر سوى إعادة تدوير لمخرجات التقاطب الإقليمي، تحركت فيه مواقع الأطراف المختلفة. فقد تعزز دور إيران من حيث تقلصت ذراع العراق الجيوسياسية، لتزيده شعوراً بالاحتقان، فاندفع باتجاه الداخل الخليجي بحثاً عما يمكن أن يعوضه. وهو عاد ليصطدم بالإيرانيين، إنما على ساحة هذا الداخل، كما اصطدم بالخليجيين أنفسهم على قاعدة كثيفة من الدعاوى والمقولات الأيديولوجية والسياسية.
وفي الأخير، انتهى العقد السبعيني من القرن العشرين من دون أن تكون هناك ملامح خيار أمني محدد على مستوى النظام الإقليمي الخليجي. وفي الوقت نفسه لم تكن هناك مقاربة واضحة لهذا الأمن على صعيد قمة النظام الدولي، أو لنقل على صعيد السياسة الأمريكية في المنطقة. بيد أنّ الأمور لم تقف عند هذا الحد وحسب، بل كانت نهاية العقد عاصفة بالمعايير كافة. في طهران سقط الشاه وسقطت بذلك أحلامه الكبرى، ليس في قيادة الخليج وحسب، بل آسيا برمتها.
وفي بغداد، فَهم الحدث الإيراني على أنه تهديد وجود، فاق كل التحديات التي مر بها بعث العراق منذ عودته الثانية للسلطة في العام 1968. ودفعت هذه الهواجس المتضخمة النظام العراقي لإلغاء اتفاقية الجزائر لعام ،1975 وهنا تجاوزت بغداد قوانين اللعبة بدل أن تعمل على تطويعها. وبالتزامن مع ذلك، رفع النظام العراقي شعارات “تحرير” المنطقة العربية في إيران، وجعل من “الجبهة الشعبية لتحرير عربستان” واجهةً صوريةً له. وفي الأخير، دفعت بغداد جيشها باتجاه إيران، ليصل في وقت قياسي إلى العمق الإيراني، حيث لم يكن الإيرانيون قد أعادوا بعد بناء قدراتهم العسكرية التي تفككت مع انهيار نظام الشاه.
وقد جاء إنشاء مجلس التعاون الخليجي بمثابة محاولة لتطويق المخاطر الأمنية التي بدت محدقة. بيد أنّ تشكيله على خلفية هاجس أمني، كان من شأنه الإضرار بمضمون تفاعلاته، ووضع الهموم المرتبطة بحياة المواطن الخليجي في مؤخرة حراكه السياسي، كما أنّ تفصيله خصيصاً للدول الست وبنظام عضوية مغلقة قد أثار حفيظة كل من بغداد وطهران على السواء، فضلاً عن صنعاء. بيد أنّ ما يحسب للمجلس، على الرغم من كل شيء، هو نجاحه في منع دوله من الانزلاق إلى أتون الحرب، فضلاً عن قدرته على التواصل والاستمرار في بيئة إقليمية مفعمة بالتوترات. والأخطر من ذلك كله، قادت هذه الحرب إلى خروج العراق قوة متضخمة عسكرياً وخاوية في قدراتها الاقتصادية، وكانت تالياً معرضة لاحتمالات الانفجار الداخلي. وهنا كانت الكويت الوجهة التي اختارها النظام العراقي للتنفيس عن احتقانه وأزمته الداخلية، وحيث أعيد توجيه الجيش العراقي ليعبر الحدود ثانية، ولكن جنوباً هذه المرة. وهنا كان غزو الكويت نتاجاً قاسياً للحرب العراقية- الإيرانية نفسها. وبذلك استكمل النظام الإقليمي الخليجي تفاعلاته الصراعية.
لقد أتت حرب الخليج الثانية لتعيد تشكيل تفاعلات النظام الإقليمي الخليجي من دون أن تغير من مضمونها السالب، بل عمقت من هذا المضمون في الاتجاهات كافة. وقد بدا للوهلة الأولى أنّ الحرب ستقود باتجاه اقتراب خليجي- إيراني، وهذا ما حدث بالفعل. بيد أنّ هذا الاقتراب قد أتى فاقداً للأرضية السياسية المشتركة وبعيداً عن أية بوصلة استراتيجية، ذلك أن انهيار التوازن الاستراتيجي في المنطقة قد عمق من هواجس الخليجيين تجاه قوة طهران العسكرية، وهذه هي المعضلة الأكثر مركزية على صعيد مقاربة العلاقات الإيرانية- الخليجية. ومن جهة أخرى، بدت العلاقة بين طهران وبغداد، وكأنها تسير باتجاه تحوّل تاريخي، فقد سارع العراق لإعادة العمل باتفاقية الجزائر، وطار رئيس المجلس الوطني العراقي حينها سعدون حمادي إلى طهران عارضاً على الإيرانيين مصالحة شاملة، وخطوات تعزيز ثقة متعددة. بيد أنّ طهران كانت حساباتها، أو لنقل هواجسها، أكبر من أن تستوعبها العروض العراقية. وهنا شعرت بغداد بخيبة أمل لم تكن تتوقعها. ولم تمض سوى برهة من الوقت على محاولات بغداد التصالحية، حتى عادت العلاقة بين البلدين لتتجه نحو توتر ظاهر، بل وتبلغ ذروة التأزّم مع اتهام حكومة الرئيس صدام حسين للإيرانيين بدعم وتمويل الانتفاضة التي تحركت في الجنوب والشمال بُعيد إخراج القوات العراقية من الكويت.
وربما كان سقوط صدام حسين في العام 2003 حلماً مديدا راود ساسة إيران ومواطنيها على حد سواء، بيد أنّ سقوطه بدبابة أمريكية لم يجلب لهم عيداً أو سروراً. والحقيقة أنّ طهران المتوجسة من التطورات الدائرة حولها، قد بدت في الوقت نفسه لاعباً أساسياً في مسار هذه التطورات. وتلك قضية ربما لم تكن واضحة تماماً في حسابات واشنطن. إنها لم تتصور المدى الذي قد يصل إليه الحضور الإيراني في معادلة العراق الجديد. إنّ الإيرانيين والأمريكيين وجدوا أنفسهم وجهاً لوجه في عراق ما بعد صدام حسين. هذا العراق الذي بات بامتياز، بيئة تفاعلات أمريكية- إيرانية مشتركة، بيئة تحتاج فيها طهران لواشنطن بقدر حاجة هذه الأخيرة لها. ويدرك الأمريكيون دون ريب هذه المعادلة، لكنها معادلة في مصلحتهم على أية حال، حتى وإن كانت نتيجتها الفرعية مزيدا من الحضور الإيراني، فهذه قوانين اللعبة. وهي ببساطة قوانين لا يمكن تغييرها ما دام العراق منقسماً على نفسه على نحو يبدو نصفه البعيد عن واشنطن هو ذاته البعيد عن طهران، أو لنقل بعيد عن سياق تفاعلاتها.
بيد أن هذه المعادلة، على الرغم من نسبيتها وطابعها التحليلي، تفرض تحدياً من نوع آخر، تحدياً يرتبط بالجوار العراقي، وتحديداً بالأردن ودول الخليج العربية. إذ كيف سوف تتعامل هذه الدول مع عراق أضحى حاضنة للقوة العسكرية الأمريكية والنفوذ الإيراني في آن معا؟ إن إيران باتت، بمعيار النفوذ، مجاورة للأردن بقدر مجاورتها لدول الخليج، هذا الجوار الذي أضحى مكثفاً. وتالياً، بات العراق متغيراً كبيراً في معادلة العلاقات الخليجية- الإيرانية، بموازاة كونه تحدياً رئيسياً للفرقاء كافة. وفي خضم ذلك، كان النظام الإقليمي الخليجي على موعد جديد مع إعادة تدوير التحالفات، أو لنقل إعادة إنتاج تفاعلاته البينية.








أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية