zaalsalloum

واضحة ويسهل الوصول اليها

في الذكرى الخمسين لوحدة سورية ومصر...د.رغيد الصلح

يمر بعد أيام قليلة نصف قرن على إعلان الجمهورية العربية المتحدة (ج. ع. م.) بين مصر وسوريا. ويتذكر الكثيرون ذلك الحدث التاريخي بحنين قوي إلى الماضي، فقيام الجمهورية جاء وسط نهوض عارم لحركة القومية العربية. وكان الميدان الرئيسي لهذا النهوض تحرير أراض عربية من الاحتلالات وأنظمة الحماية والوصاية والانتداب. وإعلان الجمهورية اعتبر بمثابة إشارة انطلاق لمشروع الوحدة العربية. الدولة الجديدة كانت أقرب نموذج عربي إلى نماذج “القاطرة” التي تمكنت من قيادة وإنجاز مهمات التوحيد القومي في عدد من مناطق ودول العالم.

واقترن إعلان الجمهورية الوحدوية بصعود رئيسها جمال عبد الناصر. ولقد كان صعود الزعامة الناصرية، وبصرف النظر عن مضمون الرسالة الناصرية، حدثاً تاريخياً في حد ذاته، فلم يسبق أن اكتسب زعيم عربي في التاريخ العربي الحديث أو القديم شعبية تضاهي شعبية ناصر من حيث اتساعها وشمولها رقعة المنطقة العربية بأسرها، وديمومتها واستمرارها، واستقطابها فئات متنوعة من المواطنين، وعمق تأثيرها على “رجل الشارع” العربي.

وبينما أطلق قيام الجمهورية العربية المتحدة موجة تفاؤل كبرى بين أنصار التيار القومي العربي ومؤيدي فكرة الوحدة العربية والمناهضين للهيمنة الأجنبية، فإنه أطلق في الوقت نفسه موجة مضادة من المخاوف والقلق والتوقعات السلبية لدى مناهضي هذه الأهداف والمشاريع. ولعل خير معبر عن ردود الفعل والمشاعر هذه ما طفا على السطح بعد أشهر قليلة من إعلان ج. ع. م.، وبعد سقوط النظام الملكي في العراق تحديدا، فبغداد الملكية والمحافظة كانت تعتبر آنذاك الخصم الإقليمي الأقوى للقاهرة الجمهورية والثورية. والذين كانوا يناهضون مشروع الوحدة العربية كانوا يراهنون على استمرار “الصراع التاريخي بين وادي النيل ووادي الفرات” كحاجز تاريخي يحول دون انضمام العراق إلى الجمهورية الوليدة.

لما سقط النظام الملكي في العراق، بدا كأن هذا الحاجز قد زال وانفتح الطريق أمام اندفاع القاطرة الوحدوية صوب بغداد. وأثار هذا الاحتمال مخاوف بالغة لدى القوة الرئيسية أو “القاطرة الكبرى المضادة” التي كانت تناهض مشاريع الوحدة العربية ألا وهي “إسرائيل” ومن ورائها الحركة الصهيونية. وما كان “الإسرائيليون” والصهاينة من المعجبين بالنظام الملكي العراقي ولا كانوا من مسانديه، فالزعماء العراقيون كانوا هم أيضاً من دعاة المشاريع الوحدوية ولكن المقترنة بنزعة محافظة. و”الإسرائيليون” كانوا ولا يزالون يعارضون مشاريع الوحدة العربية سواء ارتدت حلة تقدمية أو محافظة.

رغم ذلك خاف الزعماء “الإسرائيليون” من نتائج اختلال توازن القوى بين الدولتين العربيتين الكبيرتين ومن احتمال حسم الصراع بين القاهرة وبغداد لمصلحة الأولى. وكانت هذه المخاوف بديهية وقوية إلى درجة أن الزعماء “الإسرائيليين” وجدوا انفسهم-خلافاً لما تقتضيه الحكمة السياسية وتقاليد الدبلوماسية الصهيونية بصورة خاصة - مضطرين إلى الإفصاح عنها. عندها أعلن بن جوريون، رئيس الحكومة “الإسرائيلية” عام ،1958 أنه ربما جاء الوقت لكي تفكر “إسرائيل” جدياً في أن تكون جزءا مما يشبه الكومنولث العربي، أو أن تنضم إلى جامعة الدول العربية.

الأحداث اللاحقة أعفت “الإسرائيليين” من الحاجة إلى النظر بجد في خيار الانضمام إلى الجامعة العربية. القاطرة العربية الوحدوية لم تتمكن من عبور الحدود العراقية ومن الوصول إلى بغداد. الأقسى من ذلك أن هذه القاطرة هي نفسها تفككت عندما انهارت ج. ع. م. بعد ثلاثة أعوام من قيامها. ولكن رغم قصر عمرها، فإنها كانت، كما تدل تفاعلاتها، حدثاً عظيم الأهمية في المنطقة.

بمقدار ما لهذه التجربة من أهمية في تاريخ المنطقة فإنه من المفروض أن تتحول إلى مادة للدراسة والتأمل وإلى مصدر غني يتغذى منه بالمعرفة والخبرة المعنيون بالعلاقات بين الدول العربية، والمتطلعون إلى تنمية هذه العلاقات وتطويرها وتوسيع مجالات التنسيق والتعاون والتساند بين حكومات وشعوب المنطقة.

بيد أننا حتى الآن، ورغم مضي نصف قرن على وقوع ذلك الحدث الكبير في تاريخ المنطقة العربية، فإننا لا نعرف عنه إلا القليل. وأكثر هذا القليل هو عبارة عن آراء سجالية بين الأطراف السياسية والحزبية التي ساهمت بصورة مباشرة أو غير مباشرة في قيام ج.ع.م. وتنحو تلك الآراء إلى إصدار الإدانات والأحكام الأخلاقية ضد بعضها بعضاً. وتخلو هذه الأحكام من مسوغ مفهوم، مشروع أو مقبول. وفي أغلب الأحيان لا يكلف الذين يصدرونها عناء تبريرها أو تقديم حجج وبراهين مقنعة من أجل إثباتها وإقامة الدليل على صحتها، بل يعتمدون أسلوباً تلقينياً في إيرادها وتكرارها. وإذا خطر لهؤلاء أنه لا بد من تقديم رواية مقنعة حول قيام ج.ع.م. وانهيارها، فإنهم يبالغون في الاعتماد على نظرية المؤامرة بل يعتمدونها كأساس وحيد لتفسير الكثير من التطورات التي احاطت بظروف ولادة ونهاية تلك الدولة العربية.

إن السجالات قد تكشف الكثير من المعلومات وترفع الستار عن خبايا الأحداث. ونظرية المؤامرة هي أداة من أدوات المعرفة. انها تشكل مقاربة ملائمة لمتابعة سلوك مؤسسات وأجهزة وفاعلين يكلفون عادة بإعداد المؤامرات، وإلا فماذا تفعل أجهزة الاستخبارات في العالم؟ ومن يريد دراسة الظواهر والأحداث السياسية فبإمكانه أن يفيد من الانتقادات الحادة التي يتبادلها الزعماء إذ كثيراً ما تضمنت معلومات ثمينة، كما أنه يفيد من الغوص في بواطن الأحداث ورفع الستار عن الكثير من الأحداث التي أعدت خفية وبصورة تآمرية. إلا أن السجالات وأحاديث المؤامرات التي رافقت الحديث عن الجمهورية العربية المتحدة لم تقدم إلا النزر اليسير مما ينبغي أن نعرفه عن ذلك الحدث الكبير في تاريخ المنطقة. ما عدا ذلك فإن هذا الحدث لم يلق ما يستحقه من الاهتمام العلمي الجاد ومن الدراسات المعمقة.

وباستثناء بعض المجهودات المشتتة هنا وهناك التي قام بها أفراد عرب وغير عرب، فلا يسمع المرء عن أي جهد مركز قامت به أية مؤسسة عربية للاضطلاع بعمل من هذا النوع، ولإعداد دراسات موسعة حول خلفية قيام الجمهورية العربية المتحدة، والعوامل التي ساعدت على تأسيسها، وحول عملية الدمج التي قامت بها النخبة السياسية التي قادت الجمهورية الوليدة، والأسباب التي أدت إلى انهيار هذا الصرح العربي والنتائج التي ترتبت على هذا الانهيار والدروس التي يمكن استنتاجها من هذه التجربة.

تحولت تجربة الجمهورية العربية المتحدة إلى ما يشبه الصندوق الأسود المغلق الذي لم يفتحه أحد. لقد كان انهيار هذه التجربة فصلاً مؤلماً من فصول التاريخ العربي الحديث. ما يزيد هذا الفصل ايلاما ان يبقى الصندوق مغلقاً فلا نتمكن من تحليل محتوياته حتى نفهم منها ما يمكننا اليوم من تشييد صروح جديدة تحتضن مشاريع التعاون والتكتل الحي والقوي بين الدول العربية.



أضف تعليقا