تحضّر ركن من مقهى الروضة ليستضيف بعضاً من ذاكرة دمشق. ذاكرة شفوية ينقلها شهود على ما عاشته في القرن الماضي. الحيز المخصص لهذا النشاط يلفت النظر لضيقه. عشر طاولات تحيط بها مكبرات صوت لتدلّ على حدود المكان، وتفصله عن بقية المقهى الذي يمارس نشاطه العادي. اللافت ان عدد المدعوين لا يتجاوز الثلاثين شخصاً، وبالكاد لبّى الدعوة عشرون منهم.
أراد القائمون على احتفالية دمشق عاصمة للثقافة العربية 2008، ان يكون هذا النشاط شهرياً على امتداد سنة الاحتفالية، تحت عنوان «نادي الذاكرة»، وبهدف احياء ذاكرة المدينة ونقلها إلى الناس. وهو جانب آخر اراد منه المنظمون ان تذهب النشاطات الثقافية إلى الناس، إلى حيث اماكن تواجدهم وتجمعهم.
وعندما بدأ الضيف الأول على النادي، الكاتب والمؤرخ نصر الدين البحرة، يسرد من ماضي المدينة الذي عايشه، لم يبد رواد المقهى، من غير المدعوين مباشرة، أدنى اكتراث بالحديث الذي يزاحم جلستهم عبر مكبرات الصوت. تابعوا الاحاديث، ولعب الطاولة، ونفثوا دخان «نراجيلهم» كأنهم يقصدون الايحاء بأن شيئاً لا يحصل حولهم. لا بل ان هذا النشاط لم يسلم من سخرية الكثيرين، قبل ان يبدأ، وبعد نهايته، مع انهم لم يسمعوا كلمة مما قيل فيه.
مفاد الأمر أن رهاباً جديداً صار سارياً وفاعلاً، يحكم النظر إلى أي نشاط ثقافي أو فني يخص دمشق، حاضرها وماضيها. رهاب لا يخفيه الكثيرون من المثقفين والفنانين، شأنهم في ذلك التعبير عن سخطهم من حصر الحديث عن ماضي دمشق بحالة طوباوية «تسطّح» صورة المدينة. ومن كثرة ما يتلازم استحضار ذلك الماضي بذكر «ياسمين الشام»، سواء في الاعمال التلفزيونية الشائعة او كتابات النوستالجيا في الصحف السورية، صار العنوان المجازي لسخطهم هو: رهاب الياسمين!
هذا العنوان كان مستخدماً بقوة للتعبير عن التهرّب من نشاط «نادي الذاكرة» وضيفه الأول. ولسخرية الصدف، فإن كل الحديث الذي امتد قرابة الساعة، وتناول محطات متنوعة من تاريخ المدينة، لم تذكر فيه كلمة الياسمين ولا مرة واحدة.
لم يتحدث الضيف عن مدينة فاضلة. كان حديثاً طبيعياً غير متكلّف، يجنح إلى ذكريات شخصية أحياناً، ويذهب منها إلى ما هو أعمّ، مستذكراً المدينة التي تغيرت، شكلاً ومضموناً. لم يكن في الحديث تدليس على شاكلة ما توحي به أحاديث «الياسمين». ورد في السرد سلبيات وايجابيات، من دون ان يشار اليها على وجه التحديد.
تحدث البحرة (ولد عام 1934) عن وفرة دور السينما التي كانت موجودة في دمشق في منتصف القرن الماضي، ونشاطها (عدّ منها سينما النصر، روكسي، عائدة، كورنوغراف، سنترال، غازي، أمبير، فريال، الرشيد...). تحدث عن أفلام عالمية كانوا يشاهدونها في السنة نفسها التي تصدر فيها، مثل «ذهب مع الريح»، وعن جمهور كان يعتبر الذهاب إلى صالة السينما طقساً احتتفالياً يجب التهندم له. لكنه في المقابل تحدث عن عدم وجود حفلات مختلطة تقيمها صالات السينما، للنساء والرجال معاً، في تلك الايام. وعندما طرحت فكرة اقامتها، ذكر ان «المتزمتين في حلب ودمشق» أقاموا تظاهرات كبيرة ضد ذلك. كما ان بعض نقاط حديثه استدعت مقارنته بين ماضي المدينة وحاضرها، والتعجب إزاء الفروق التي تذهب لمصلحة الماضي.
وروى المؤرخ، الذي له كتاب «دمشق الأسرار»، نقلاً عن أحد المؤرخين الذين سبقوه، ان دمشق احتوت عام 1879 ما يقارب مئة مقهى، ولم يكن عدد سكانها في ذلك الوقت يتجاوز 157 ألف نسمة. وهذا ما قاده إلى المقارنه: «الآن عدد سكان دمشق خمسة ملايين على الأقل، ولم يعد فيها إلا عدد قليل من المقاهي...». لم يكن يطرح سيرة شخصية، بقدر ما كان يقدم اضاءة على يوميات المدينة وعمرانها الذي لم تعد تتوافر إلا صور نادرة عنها. فراح المؤرخ يشرح عن الاماكن التي اندثرت بدلالة عناوين الحاضر، متعكزاً على ظروف المكان لتعينه على رسم صورة الماضي وايصالها. ولأن السرد جاء تلقائياً (حديث يجر آخر) كان الضيف يسهى في زحمة التفاصيل من أين بدأ، او ما الذي أراد توضيحه. فيسأل أمينة الاحتفالية الدكتورة حنان قصاب حسن، الجالسة بجواره، والتي بدورها كانت توجهه عبر استفساراتها إلى إكمال فكرته أو نقل الحديث للاضاءة على الأمكنة والشخصيات البارزة.
ومن الحوادث الفريدة التي ذكرها ان الرئيس السوري في ذلك الوقت، أديب الشيشكلي، كان يرسل عوناً له ليعرف كيف يتحدث عنه مثقفون محددون في مقهى «البرازيل» (لم يعد له وجود الآن)، وكيف دار نقاش حاد بين الشيشكلي والفنان الراحل أديب العسلي وهو من صمم شعار الجمهورية العربية السورية، يلوم فيه الأول العسلي على طريقته في الحديث عنه أمام الآخرين في المقهى.
لم يحضر الياسمين ولا أجواؤه الطوباوية في نادي الذاكرة. ولم تعرض فيه صور «العنتريات» و «القبضايات». حضرت فيه ذاكرة المدينة لكنها لم تجد أحداً ينتظرها، او يصغي إليها. وفي المقابل فإن التمهيد لحضورها لم يكن بالأفضل. الترويج للفعالية كان ضعيفاً، كما ان مكانها وتوقيتها تغيرا قبل وقت قصير، من مقهى النوفرة، في السادسة مساء، إلى مقهى الروضة عند الواحدة ظهراً، مع انه نشاط مقرر منذ بداية الاحتفالية على ان يقام في الاثنين الثاني من كل شهر. وما زاد الطين بلّة سوء إدارة أجهزة الصوت، التي كانت تصفر احياناً وتكاد تصمّ آذان بعض المسنين الذي حضروا مستندين على ابنائهم أو عكاكيزهم. كما ان اجهزة أخرى لم تعمل، مثل مكبّر الصوت المخصص للمداخلات، فذهبت بعض الاحاديث أدراج ضجيج المقهى.








أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية