في 22/2/1958 أقر شعبا مصر وسوريا في استفتاء عام، بما يشبه الإجماع، قيام الجمهورية العربية المتحدة وانتخاب جمال عبدالناصر رئيسا لجمهورية رئاسية متجاوزة النظام البرلماني الحزبي. ومنذ ذلك اليوم تواصل الجدل حول ظروف قيام الوحدة وانفصالها، وما شاب الممارسات من سلبيات، خاصة ما ينسب منها للرئيس عبدالناصر. ولطالما وظفت تلك المقولات في الادعاء بانطفاء حلم الوحدة وموت العروبة. وفي مرحلة مواجهة مخطط التفتيت العرقي والطائفي والسعي الأمريكي لطمس الانتماء القومي العربي يغدو مفيدا التذكير بالحقائق التالية ذات الصلة بقيام الوحدة وانفصالها:
الأولى: كان قيام الجمهورية العربية المتحدة تتويجا للتفاعلات المتنامية والاتفاقيات الموقعة بين سوريا ومصر خلال السنوات الثلاث السابقة. كما يقرر وزير التخطيط السوري (1963-1966) وعضو الاتحاد العام للمؤرخين العرب اللواء د. غسان حداد بقوله: “من استعراض التطورات للعلاقات السورية - المصرية قبل الوحدة وعلى مختلف الصعد العسكرية والثقافية والاقتصادية والسياسية يمكن الاستنتاج أن الوحدة لم تكن ارتجالية أو استجابة عفوية من دون تخطيط وتمحيص، أو أنها ردة فعل لظرف طارئ، أو غيرها من التفسيرات التي ظهرت قبل الوحدة وأثناءها وبعد ردة الانفصال”.
الثانية: تواصل الجدل السياسي السوري حول الوحدة منذ دعا حزب البعث لاتحاد سوريا ومصر بمناسبة ذكرى الجلاء في 17/4/،1956 كما توالت اللقاءات المصرية - السورية. ومنها إيفاد الرئيس عبدالناصر اللواء حافظ إسماعيل للاجتماع بأعضاء “المجلس العسكري”، شديد التأثير في القرارات السورية حينذاك، وإطلاعهم على موقفه من التمايزات بين القطرين، خاصة صغر الجيش السوري ورتب قادته قياسا بالمصري، والإشكالات المحتملة عند اندماج الجيشين. وليوضح أن اهتمام الضباط بالسياسة مبرر في الواقع السوري، بينما لم يعد واردا في مصر، وقد خرج غالبية “الضباط الأحرار” من الجيش. ولينبههم إلى أن الوحدة قد تؤدي لفقدانهم بعض امتيازاتهم واحتمال نقل بعضهم لمناصب مدنية، وأنه لن يسمح باشتغال الضباط بالسياسية. وليبين تمايز الوضع الاقتصادي في القطرين، وضرورة النظر بجدية في العوائق المنتظرة عند قيام الوحدة، لاسيما وأنها لن تقابل بارتياح خاصة في الغرب. وأنهى لقاءه قائلا: “الرئيس يريد أن تكون الأمور واضحة أمامكم قبل أي عمل يتعلق بالوحدة”. وبعد تداول أعضاء المجلس الأربعة والعشرين ايضاحات عبدالناصر انتهوا لقرار بطلب “السير قدما في طريق تنفيذ الوحدة في أقصر وقت ممكن” أبلغوه لسفير مصر محمود رياض.
الثالثة: عقد “المجلس العسكري” اجتماعا ليلة 11/1/1958 بحث موضوع الوحدة انتهى إلى تكليف 14 من أعضائه بالتوجه للقاهرة، حاملين مذكرة تطالب بإقامة جمهورية ذات دستور واحد، ورئيس واحد، وسلطات موحدة: تشريعية وتنفيذية وقضائية، وعلم واحد، وعاصمة واحدة، وقائد واحد للجيش (رئيس الجمهورية)، ووحدة تنظيم وتدريب وتجهيز القوات البرية والبحرية والجوية. ولدى لقائهم عبدالناصر طالب بحضور ممثل للسلطة السياسية السورية التي تجاوزها الضباط. فجاء وزير الخارجية صلاح البيطار، حاملا مشروعا اتحاديا أقرته قيادة البعث والحكومة السورية، لكنه لم يعرضه للبحث. فيما اعتمدت مذكرة الضباط أساسا لمباحثات انتهت بالاتفاق على “إعلان مبادئ” متضمنا أسس وحدة القطرين وقعه عبدالناصر والبيطار في 22/1/1958.
الرابعة: بعد إقرار أركان النظام السوري بالإجماع “إعلان المبادئ ترأس رئيس الجمهورية شكري القوتلي، وفدا توجه للقاهرة في 31/1/1958 ضم رئيس الوزراء صبري العسلي وممثلي الائتلاف الحاكم من حزبي البعث والوطني والكتلتين: الدستورية يمثلها د. مأمون الكزبري والديمقراطية ممثلة بخالد العظم، واللواء البزري ممثلا للمجلس العسكري. وباستثناء العظم لم يعترض أي منهم على مشروع بيان إقامة الوحدة، إذ طالب بإجراء انتخابات لجمعية تأسيسية، وبألا تجاوز الفترة بين إصدار الدستور المؤقت والدائم شهرا، فناقشه عبدالناصر حتى أقنعه بالتراجع عن مطلبيه. ويقرر في مذكراته (ص 149-151) أن عبدالناصر يتقبل وجهة نظر مخالفة بروح سمحة، ويناقش مخاطبه بهدوء ورغبة واضحة في إقناعه. وبمقدار ما تقدم مذكرات العظم شهادة، من أحد أبرز خصوم عبدالناصر ونهجه، على انفتاح الرئيس الراحل وإيجابيته، والجو التوافقي لمباحثات الوحدة، بقدر ما تؤرخ لإعلان أركان النظام السوري الحزبيون والمستقلون والعسكريون القبول الصريح بنهج عبدالناصر الاقتصادي - الاجتماعي وأسلوبه في الحكم المتجاوز الليبرالية فكرا وممارسة.
الخامسة: كانت الشخصيات والقوى السورية صاحبة المبادرة بطلب الوحدة والدور الأبرز في الدفع لتحقيقها، فيما كانت المبادئ القومية وضغط التيار الجماهيري الملتف حول عبدالناصر، وبالذات الجماهير السورية، أداة صناع القرار السوري في مسعاهم الوحدوي. وحين تصدر المبادرة والفعل من القطر الأصغر مساحة والأقل سكانا وامكانات، فيما تكون الاستجابة من القطر الأكبر على المحاور الثلاثة، وصاحب الدور التاريخي في توحيد المنطقة، ففي ذلك دلالة قاطعة على انتفاء الإكراه في إقامة الوحدة. كما أن في كون المبادئ القومية وضغط الجماهير أداة التوحيد وليس الجيوش، ما يوضح أن وحدة مصر وسوريا تمت باتساق مع روح العصر، التي تجاوزت الضم والاجتياح إلى اعتماد الاختيار الحر سبيلا للوحدة والاتحاد. وفي هذا برهان أن قيام “الجمهورية العربية المتحدة” تحقق ديمقراطيا.
السادسة: لم يقع الانفصال بانتفاضة شعبية رافضة النظام لدوافع اجتماعية، أو لتفريطه في الثوابت الوطنية والقومية لشعب سوريا العربية، وإنما بفعل انقلاب عسكري حيكت خيوطه في إحدى العواصم الأوروبية وبتمويل عربي. ولقد تميز موقف جماهير سوريا تجاه الانقلاب الانفصالي عن مواقفها من الانقلابات السابقة له منذ انقلاب حسني الزعيم سنة ،1949 إذ للمرة الأولى لا تخرج مؤيدة الانقلاب، ولا رافعة صورة قائده، أو منددة برموز النظام الذي أسقطه، وإنما على العكس من ذلك، جابهت دبابات الانقلابيين بمظاهرات الغضب، رافعة أعلام الجمهورية العربية المتحدة وصور عبدالناصر، ومطالبة بالحفاظ على الوحدة، وهاتفة بحياة الرئيس لانحيازه لمصالحها، ومؤكدة عزمها على الاحتفاظ بما تحقق لها من مكاسب. وقد تواصلت المظاهرات الرافضة للانفصال قرابة العامين، والسؤال الأخير: أما آن لمرددي الشعارات المعادية للعروبة والوحدة مراجعة مقولاتهم في ضوء حقائق التاريخ ومعطيات الواقع؟








أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية