لم تترك المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل خلال زيارتها ل”إسرائيل” فرصة واحدة لم تستغلها لتوكيد “عبرانيتها”. فهي بدأت خطابها في الكنيست باللغة العبرية، وأنهته باللغة العبرية، وهي “دمجت” حكومتها في حكومة تل أبيب، في ما وصف بأنه جلسة تاريخية بين مجلسي الوزراء الألماني و”الإسرائيلي”، اللذين تصرفا خلالها (الجلسة) كحكومة واحدة. ثم انها لم تترك رمزاً واحداً من الرموز العبرية لم تزره: من متحف المحرقة إلى آثار القدس، ومن الكنيست إلى فندق الملك داوود.
بالطبع، ميركل لم تكتف بإعلان انحيازها العاطفي الدافق لكل ما هو عبراني - “إسرائيلي”، بل مددت ذلك أيضاً إلى كل ما هو سياسي: “أي تهديد ل”إسرائيل” هو تهديد لنا”، “سنقف مع “إسرائيل” ضد أي خطر يحيق بها، خاصة من جانب إيران”، “ألمانيا لديها مسؤولية خاصة إزاء أمن “إسرائيل”، وهي مسؤولية تاريخية تشكل جزءاً رئيسياً من سياسة بلادنا”، “أمن “إسرائيل” غير قابل للتفاوض، وصواريخ القسام إرهابية يجب أن تتوقف”.
هكذا تحدثت أنجيلا ميركل كما لم يتحدث أحد قبلها: لا الرئيس بوش الذي يصنف على أنه أكثر الرؤساء الأمريكيين انحيازاً ل”إسرائيل”، ولا الرئيس ساركوزي الذي يعتبر أكثر الرؤساء الفرنسيين “يهودية” أو “ماسونية”، ولا رئيس الوزراء البريطاني السابق بلير الذي وضع (ولا يزال بصفته “وسيط سلام” الشرق الأوسط) كل طاقاته في خدمة “القضية “الإسرائيلية””.
لماذا تفوقت ميركل على هذا النحو على كل أقرانها الغربيين الداعمين للعبرانية الصهيونية؟ سنأتي إلى هذا السؤال بعد قليل. قبل ذلك، وقفة أمام رواية “تآمرية” طريفة يتبناها بعض الروس والكثير من التيارات المسيحية المحافظة في أمريكا. الرواية تسير على النحو الاتي:
“تكشف أرشيفات الاستخبارات السوفييتية (كي.جي.بي) أن اسم ميركل موجود في سجلات الدكتور النازي كارل كلابيرغ، الذي يعتبر ألمع العلماء الألمان المتخصصين في التلقيح الاصطناعي البشري. وقد تبين أن كلابيرغ هذا حفظ نماذج من الحيوانات المنوية لأدولف هتلر، خدمة لقوى الظلام المتمثلة في نخبة “الأيلومانتي” الماسونية، ثم حقن هذه النماذج في رحم أخت عشيقة هتلر إيفا براون واسمها غريتل. الحصيلة كانت ولادة فتاة اسمها أنجيلا في 20 ابريل/ نيسان 1954 (هتلر ولد أيضاً في 20 ابريل/ نيسان 1889). وحالما أصبح النازي السابق جوزف راتزينغر بابا روما تحت اسم بينيديكت ال،16 لحقت به أنجيلا ميركل لتصبح مستشارة ألمانيا مكان والدها البيولوجي هتلر، ليعملا معاً على تنفيذ مخطط المنظمات السرية لإقامة النظام العالمي الجديد بزعامة إله هذه المنظمات لوسيفر (إبليس)”!
هذه بالطبع رواية أخرى من روايات الأدب التآمري العصية على التصديق. لكنها تفيد في ناحية أخرى: إثارة التساؤلات حول لغز الصعود السريع إلى السلطة لهذه الفتاة الألمانية الشرقية التي يطلق عليها الآن “الفتاة الحديدية”: من عالمة في كيمياء الكم إلى زعيمة أقوى الدول الأوروبية، ورئيسة الاتحاد الأوروبي، وقائدة مجموعة الثماني الكبار. لا شك في أن المواهب الشخصية تلعب دوراً هنا، لكنها وحدها لا تكفي في عالم يعج بالمصالح الكبرى و”الصدف المخطط لها”، كما اعتاد الرئيس روزفلت أن يقول.
نعود الآن إلى السؤال: لماذا هذا الدفق الحماسي العبراني لدى ميركل؟
الأسباب تبدو عديدة، لكن في طليعتها يتقدم سبب أهم: رغبة المستشارة الألمانية في الحصول على تأييد “إسرائيل”، وعبرها الرأسمالية اليهودية العالمية، لمشروعها متعدد الرؤوس: تحويل الاتحاد الاوروبي (بزعامة ألمانيا) إلى قوة دولية عظمى؛ وإعادة دور القوات المسلحة الألمانية في العلاقات الدولية عبر تفعيل حلف شمال الأطلسي؛ ومنافسة “الاتحاد المتوسطي” - الفرنسي باتحاد متوسطي ألماني - أمريكي - “إسرائيلي”.
كل هذه الأهداف مستحيلة التحقيق من دون دعم الرأسمالية اليهودية العالمية، المستحيل بدوره من دون دعم يهود “إسرائيل”. ولذا، كانت “الفتاة الحديدية” عبرانية حتى الثمالة، و”إسرائيلية” حيال أمن الدولة العبرية أكثر من “الإسرائيليين”.
تفسير مقنع؟ ليس كثيراً؟ حسناً. لكنه يبقى أفضل بكثير من التفسير التآمري حول كون ميركل الابنة البيولوجية لهتلر.








أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية