كل طرق الحرب ضد إيران باتت مسدودة أمام “إسرائيل”، ليس هذا فقط بل إن كل طرق “التغيير” أو حتى “التراجع” عن الموقف الإيراني المتشدد في إدارة أزمة البرنامج النووي، أضحت مسدودة هي الأخرى أمامها كاملة، ولم يبق أمام شمعون بيريز رئيس الكيان الصهيوني، إلا أن يلعن الحظ السيء أو حتى أن يلعن نفسه بدلاً من أن يلعن “النفط” ويحوّله الى “شماعة” للفشل “الإسرائيلي” لتعليق كل خياراتها الفاشلة.
كان “الإسرائيليون” يعتقدون في نظرية “دومينو الأزمات” أو “ترابط الأزمات”، وكان رهانهم أن نجاحهم في توريط الإدارة الأمريكية بالحرب في العراق، سيؤدي الى سيطرة سهلة عليه. ومنه، أي من العراق، يبدأ الانطلاق الأمريكي الأسهل نحو كل من إيران وسوريا في تزامن مع أدوار تقوم بها “إسرائيل” في فلسطين ولبنان، وبعدها يأتي الدور على السعودية ومصر التي وصفت ب”الجائزة الكبرى”. لكن الفشل الأمريكي في العراق لم يعرقل فقط اندفاعة هذا المشروع الأمريكي “الإسرائيلي” للسيطرة على ما سمي ب”المنطقة” ويقصدون الوطن العربي، لكنه أدى أيضاً إلى خلق رادع داخلي أمريكي ضد كل سياسات الحرب، وتفجرت المعارضة الأمريكية ضد الحرب في العراق وتزايدت سخونة المطالبة بالانسحاب السريع، وتحول الخلاف حول العراق إلى محور أساسي للصراع الانتخابي داخل الولايات المتحدة.
كان هذا الفشل الأمريكي في العراق وما أدى إليه من سقوط سريع وسهل لنظرية “دومينو الأزمات” نذير شؤم للاستراتيجية العسكرية “الإسرائيلية” الخاصة بالبرنامج النووي الإيراني. فهم في الكيان لا يرون بديلاً للحل العسكري للبرنامج النووي الإيراني لسبب رئيسي هو قناعة “الإسرائيليين” بأن الحفاظ على الوجود “الإسرائيلي” يستلزم الحفاظ على “التفرد” “الإسرائيلي” بامتلاك السلاح النووي، ومنع أي دولة عربية أو أي دولة إسلامية غير صديقة ل”إسرائيل”، من امتلاك حتى التكنولوجيا النووية السلمية. فهم على يقين بأن امتلاك التكنولوجيا النووية يؤدي الى امتلاك برنامج نووي سلمي، وان امتلاك برنامج نووي سلمي يؤدي الى امتلاك برنامج نووي عسكري، وامتلاك مثل هذا البرنامج يهدد وجود “إسرائيل”، ولذلك فإن الخيار العسكري هو الحل الوحيد للبرنامج النووي الإيراني.
ونظراً لفداحة المسؤولية وضخامة التداعيات التي سوف تترتب على شن حرب ناجحة ضد المنشآت النووية الإيرانية فإن القرار “الإسرائيلي” الاستراتيجي كان يرتكز على أحد خيارين: الأول والأهم أن تقوم الولايات المتحدة، وحدها بالمهمة كاملة، عندها تجني “إسرائيل” الثمار، ويتحمل الأمريكيون والعرب كل التداعيات. والثاني، أن تشارك “إسرائيل” مع الولايات المتحدة في الحرب ضد إيران، وعليها أن تكون شريكة في دفع الأثمان وتحمل التداعيات.
وفي لحظة بائسة من لحظات التاريخ فوجئ “الإسرائيليون” بتقرير أجهزة الاستخبارات الأمريكية، الذي أكد توقف البرنامج النووي العسكري الإيراني منذ عام ،2003 وان هذا البرنامج لم يعد له أي وجود، وجاء تقرير المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية ليؤكد، بدرجة كبيرة، صحة تقرير الاستخبارات الأمريكية، عندها فقد “الإسرائيليون” ما بقي عندهم من عقل كان قد تبدد بسبب الاصرار الداخلي الأمريكي على الانسحاب من العراق. فبعد نشر هذا التقرير تداعت كل مبررات الجناح المحافظ في الإدارة الأمريكية الذي يقوده ديك تشيني نائب الرئيس الداعية لخيار الحرب ضد إيران، عندها بدأ التخبط “الإسرائيلي” بين من يطالبون بأن تقوم “إسرائيل” بالمهمة منفردة وبين من لا يجدون بديلاً غير الحل الدبلوماسي عبر قرارات تصدر عن مجلس الأمن تفرض عقوبات صارمة ضد إيران، لكن كان هناك فريق ثالث يرى أن الفرصة ما زالت قائمة لتوريط الأمريكيين في الحرب ضد إيران من خلال التشكيك في تقرير أجهزة الاستخبارات الأمريكية والمطالبة بإعادة التحقيق مرة أخرى في الملف النووي الإيراني، بمشاركة خبراء “إسرائيليين”، وإعادة قراءة التقارير الاستخباراتية “الإسرائيلية” التي تؤكد أن هناك برنامجاً عسكرياً نووياً سرياً في إيران لا تعلمه الوكالة الدولية للطاقة الذرية ولم تتوصل إليه أجهزة الاستخبارات الأمريكية.
وسار “الاسرائيليون” في الاتجاهات الثلاثة بين الإعداد الفعلي لحرب “إسرائيلية” ضد إيران وبين التحرك السياسي والدبلوماسي لفرض عقوبات صارمة والسعي لتجديد إقناع الأمريكيين بخيار الحرب، لكن كانت كل الطرق وعرة وصعبة حتى بالنسبة لخيار العقوبات، فقد وجد “الإسرائيليون” صعوبة في إقناع الدول الصديقة دائمة العضوية في مجلس الأمن بفرض عقوبات صارمة ضد إيران، وصعق “الإسرائيليون” بالقرار الثالث الصادر عن مجلس الأمن لما تضمنه من عقوبات غير رادعة لإيران، عندها لم يجد شمعون بيريز ما يلعنه غير “النفط” الذي اعتبره “العدو الأكبر” ل”إسرائيل”، فبالإضافة إلى التلوث (الذي يسببه) فإن “النفط يمول الإرهاب من فنزويلا إلى إيران”.
فقد توصل بيريز إلى أن ثروة إيران النفطية، وحالة سوق النفط العالمية
المضطربة، والارتفاع الجنوني في الأسعار، تمثل عامل ردع أمام أي قرار بالحرب ضد إيران، لكنه أيضاً يجعل إيران قوة عالمية قادرة على المساومة التجارية والاقتصادية مع دول العالم التي في حاجة إلى السوق الإيرانية بقدر ما هي في حاجة الى النفط الإيراني.
وجاءت استقالة الأدميرال ويليام فالون قائد القوات الأمريكية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، وخلفية هذه الاستقالة التي كشفها فالون، والخاصة برفضه الحرب على إيران، ثم فوز المحافظين مجدداً في انتخابات مجلس الشورى الإيراني، لتغلق كل فرص التغيير في السياسة الإيرانية المتشددة ولتترك الحظ ل”إسرائيل” كي تصب عليه كل غضبها.








أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية