zaalsalloum

واضحة ويسهل الوصول اليها

ذكريات الأمكنة... ريم عبيدات

كثيرون أرسلوا بتعليقاتهم وآرائهم حول ما أثاره في نفوسهم طرح موضوع “الرحيل” بمعنى “تغيير مكان السكن” وكثيرون جاءت تعليقاتهم مهتمة بفلسفية التجربة وانعكاسات البعد العميق المختبئ وراء غلالة اليومي والعابر من الحياة.

ونتابع تساؤلاتنا حول علاقتنا بالأمكنة التي لم تكن يوما عابرة أو مادية أو لوجستية فحسب... أليست موائلنا الصغيرة حاضنة تجاربنا الإنسانية أبدا ورديفها كالظل؟ أليست كهوف أحاسيسنا وانفعالاتنا وخفايانا ومخازن ذكرياتنا التي فيها تتعتق وتتجوهر لتشع عبرها خفايا النفس، وانسيابية الصور وتجاورها وتحولاتها المعرفية؟

أمكنتنا مناخاتنا التي فيها تسرع أحصنة براري نفوسنا إلى آفاق معرفة حدودنا المجهولة لمعادلة الانتماء الإنساني الكوني وما يصاحبها من تطور وتحول وصراع نفسي واجتماعي. تشكلاتنا العقلية العميقة ومواقفنا المعلنة والصامتة من الحياة والفعل والأشياء.. أفكارنا ومعتقداتنا ومواقفنا السياسية. اشتعالات أفعالنا الناتجة عن تصادم الذات المبدعة بمؤثرات العالم الخارجي وشعورها الإنساني الكوني غير المحدود بفضاء.

لذا نصاب بكل ما نصاب به من حمى الحنين حين نباشر بالمغادرة إذ تنتصب تفاصيلنا في لحظة مباغتة، لتشخص فيها اللوحات، والكتب والأوراق متآمرة على راحتنا. وتبيت لنا نوايا التداعيات والحنين، مشهرة لسلاح الذكريات وموقدة لخزانة المعاني والأيام واللحظات.

أما زوايا المطبخ فتحول دوننا ودون أي هدوء إليه نسعى ونحاول حين نهم بمتابعة المسير الى مكان جديد.. فتصبح ملفاتنا الساخنة التي تندفع مديدا وعميقا.. أي شعور يعتورنا ونحن نغادر كل ما نغادر من تفاصيل ظنناها بسيطة وصغيرة، مكان كل منا حول طاولته، أواني الطبخ، أكوابنا، الصحن المفضل لدى كل منا، رائحة الشاي والقهوة الممتزجة برائحة المكان، تعزف معا سيموفينة رحيلنا الحزين.

أمكنتنا التي تشهد تحررنا من مخاوف الدنيا تتعرف قبلنا إلى ولاداتنا وتخلقاتنا الكثيرة والدائمة والمتعددة، تتحول إلى طوفان أرواحنا الهائجة الرافضة للجديد جملة وتفصيلا.

فأي سيل لذكريات الشرفة، سطح المنزل والشبابيك المختلفة تلك التي لا تعود تستطلع إطلالتها فحسب، لكن كمشة من أعمارنا المختبئة خلف حواضر الأصص والنباتات وأوراق الشجر وتقدمها لنا دفعة واحدة وتمضي مسرعة حزينة تداري دموع الذاكرة وصرخات المخيلة.

حزين هو هذا الكائن الذي تصنع ذاكرته ومخيلته كافة شؤون وشجون حياته، لتتحول في إغماضة سريعة إلى شرنقة كبيرة تقبض أرواحنا وتحجز نفوسنا وتحد لدينا كافة إمكانات الطيران.

 



أضف تعليقا