جاءت السيدة ميركل محملة بالاعتذارات إلى الدولة الصهيونية، واستكمالاً لهذه الاعتذارات اقتصرت زيارتها إلى المحتل من فلسطين عام ،1948 وهكذا يعود الابتزاز الصهيوني بكامل أدواته ومهارته ليحصد المزيد من التعاطف والتربيت على الأكتاف مكافأة لتل أبيب على ما تقترف من جرائم.
ألمانيا بالتحديد كانت المجال الحيوي الذي نصبت فيه الصهيونية أفخاخها، ورغم أن الوتر القديم اهترأ وتفسخ إلا أن المعزوفة إياها لا تزال تزكم الآذان، إضافة إلى الأنوف، فقد أنهى التاريخ صلاحية تلك الرواية، لكنها تمددت بفضل الميديا المرتهنة، وبعون غير مباشر من الكسل الإعلامي العربي. لقد مضى ثلاثة وستون عاماً على الحرب العالمية الثانية، وبالرغم من ذلك تصر الدوائر الصهيونية على تجميد التاريخ عند تلك اللحظة، ولمصلحتها فقط، رغم أن المتغيرات قلبت المعادلات كلها، وتحول من كان يحتكر دور الضحية وأنينها إلى جلاد لم يسلم منه الطفل والشجرة والحجر.
لقد بدت السيدة ميركل منافسة لساركوزي في عشق الدولة الصهيونية، والدفاع عنها ظالمة أو ظالمة، لأنها لم تعد مظلومة على الاطلاق بعد أن تقمصت دور جلادها النازي وخلفته وراءها بما امتلكت من مهارة القنص واصطياد الأطفال.
والذريعة المتكررة في أوروبا المحتلة صهيونياً هي أن هناك من يهددون الدولة العبرية بالحذف من الوجود، رغم أن من تصدر عنهم هذه التهديدات سرعان ما يتراجعون عنها، فتبدو كما لو أنها شعارات تكتيكية تستهدف الربح الإعلامي السريع.
والأرجح أن أوروبا التي حاولت الانعتاق من الأسر الصهيوني وكل أساليب الابتزاز لا تزال رهينة إعلام يرتدي طاقية الإخفاء، فهي ما إن توشك على الافلات حتى تسقط ثانية في الفخ ذاته.
وما قاله ساركوزي وكررته ميركل، مضافاً إليه اعتذار ألماني، ينبئ عن غياب أي موقف أخلاقي في عالمنا الذي أصبح ملكاً للأقوياء. وتشبه مواقف أوروبا من تل أبيب ومن الدراما الفلسطينية عدواناً خماسياً وليس ثلاثياً فقط، يستهدف التاريخ والحقائق، وينحاز إلى القتلة، بل يباركهم ويتعهد بالدفاع عنهم.
فأين ذهبت كل تلك الثقافة، وكل تلك الأطروحات الأخلاقية التي صُنّعت خصيصاً للتصدير من أوروبا، وبأي وجه سيقف زعماء القارة التي لا تكف عن الثرثرة حول حقوق الإنسان أمام أكثر الكتب رواجاً في بلدانهم؟
إن الأعور فقط هو الذي يمكنه أن يتذرع بعدم مشاهدة الجانب الآخر من المشهد، والسيدة ميركل التي تقف على بعد استغاثة طفل في غزة، لا ترى إلا بعين واحدة ولا تسمع إلا بأذن واحدة.
إن ما نتوجه به إلى فرنسا وألمانيا، وحتى الدنمارك، هو أكثر من العتاب، لأنه متعلق بثقافة وموقف أخلاقي، ويبدو أن أكثر الناس حديثاً عن الحق، هم أكثرهم صمتاً وخرساً عندما يستباح، والاختبار الذي تتعرض له أوروبا الآن أعسر مما يعتقد ساركوزي وميركل، ذلك ببساطة لأن المضبوعين الذين لم يفيقوا بعد ستين عاماً من الزفرة الكريهة للضبع الصهيوني، ينساقون إلى المغارة.
فمتى يعود الرشد إلى هؤلاء كي لا يبدو الطلاق بائناً بينونة كبرى بين أقوالهم وأفعالهم؟








أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية