أخيراً، وبعد أن برهن ميداس العربي الجديد على قدرته الفذة على تحويل الذهب إلى تراب والكثرة إلى قلة، والوفرة إلى حاجة، جاء دور الرغيف، الذي استكمل تمام البدر في سماء ملبدة بالزفير، والسّحب التي تكثف فيها البكاء.
وما يدور الآن من سجال يستغرق وقت الناس وطاقاتهم في عدة أقطار عربية حول سعر الرغيف، يوقظ المواجع كلها، ويفتح كيس الأسئلة المزمنة الأشبه بكيس الثعابين في غرفة مظلمة.
لقد استورد عرب النصف الثاني من القرن العشرين الكثير من القمح، والكثير جداً من القمع، وكأن نبوءة الراحل بدر السياب تحققت، وهي ما مرّ عام إلا وكان فيه جوع، سواء في العراق أرض السواد لفرط الخضرة ووفرة الماء، أو في أية أرض عربية أخرى قضم فيها الخريف الفصول كلها.
الرغيف هو الضرورة إذا كان الورد هو الحرية، لكن الناس لا يطبخون الورد أو يعجنونه، فهو رفاه لا يملكون الحق في تداوله، ما دامت الحياة قد ضاقت حتى أصبحت ثقب إبرة، وما دام الفائض قد انتهى إلى مديونيات، أضاف إليها العمى السياسي المتحالف مع الفساد الاقتصادي ربما يتعذر تسديده، حتى على طريقة شايلوك الذي أراد اقتطاع رطل من اللحم الآدمي.
لماذا وكيف وبأية عبقريات، تحول العربي من دائن الى مدين، ومن كثير الى قليل، وأخيراً الى هذا المشهد الرمادي؟
الأسباب ليست غامضة وتحتاج إلى حفريات فهي ملقاة أمامنا على قارعة التاريخ، وما أنفقه العرب على التسليح الذي لم تختبر ضرورته الدفاعية أو الهجومية هو أضعاف ما يحتاجه العرب كي يصونوا أنفسهم وكرامتهم من الأذى، لكن الحكاية أعقد من كل الطروحات القاصرة التي تختزل الإنسان الى فم والكوكب الى رغيف.
والعرب الذين يشتبكون في طوابير الطحين أو على وَهْمٍ طائفي يتناسون أن هناك من يتربص بهم بانتظار الغيبوبة التي تتيح له افتراسهم على مهل، وبلا أية خشية من العقاب أو الثأر، ذلك لأنهم تحولوا من ديناميات ومفاعيل إنسانية وقومية إيجابية الى ديناميات سالبة، ومن المبادرة الى الإقامة الجبرية في منطقة الصدى وردود الأفعال.
لقد شيدوا حضارة يدين لها الكون بقليل من التمر في الصحراء، وكان الزاد حسب فلسفتهم أشرفه القليل، لكن ما ألم بهم في قرون الارتهان والمهانة وفقر المناعة قلب المفاهيم ومنظومة القيم رأساً على عقب، وصار ما هو سبب كاف للنمو والنفوذ سبباً مباشراً للانسحاب والبطالة التاريخية، والمسألة كلها ذات صلة بالإرادة التي لعبت عدة عوامل في إبطال مفعولها، واصابتها بالشلل الجزئي الذي قد يتمدد ليصبح شاملاً.
وقد يكون ما ينشر من احصاءات وأرقام حول أحوال العرب المعاصرين شكلياً والمعصورين حتى آخر قطرة واقعياً وسياسياً واقتصادياً كافياً لأصابتنا بالقنوط، وهو أقصى اليأس لكن الحقيقة ليست كذلك، فالعرب لم يجوعوا أو يعطشوا إلا لأنهم صدقوا البوصلة المعطوبة وجربوا مفاتيحهم في غير أقفالها.








24 مارس, 2008 05:49 ص