المعجرة لم تقع والأسوأ حدث: قمة عربية يقاطعها رئيس وملك أقوى نظامين عربيين في الشرق الأوسط ومعهما نصف القادة العرب تقريباً. ومن سيحضر، فعل ذلك إما عن خوف من تهديدات، أو تعبيراً عن استقلالية، أو مجرد رغبة في كسر حدة الاستقطاب في الصف العربي.
القمة، في هذا السياق، لم تعد مهمة. فلا قرارات جدّية يمكن أن تخرج منها لأن هذا يحتاج إلى إجماع مفقود، ولا خلافات يمكن أن تحل في داخلها لأن من في أيديهم الحل والربط غائبون عنها.
وهكذا، بات من الأفضل الحديث عما بعد القمة، برغم انه لن يكون حديثاً مريحا البتة. والأسباب عديدة.
فقد كانت قمة دمشق مناسبة ذهبية لمنع تحول الامة العربية إلى أمتين، أو معسكرين، أو جبهتين. لكن هذه المناسبة جاءت وذهبت، وبددت معها كل فضاءات اللقاء المحتمل بين العرب. الاستقطاب سيكون من الآن سيد الموقف، و"كسر العظم" سيكون هو الشعار.
الكثيرون شبّهوا الصراع الراهن بالصدامات العربية العربية التي اندلعت في حقبة الخمسينات. وهو تشبيه دقيق تماماً بفعل عاملين اثنين:
الأول، أن أطراف نزاع الأمس، وهي الأنظمة العربية المحافظة، من جهة، والأنظمة الثورية، من جهة أخرى (مصر وسوريا) كانت تشعر بأنها تخوض صراع بقاء: إما هي أو الطرف الآخر. وهذا ما جعل الصدامات عنيفة آنذاك. واليوم يتكرر المشهد نفسه: كل الأطراف تشعر بأن أنظمتها ستكون مهددة بالسقوط أو الإسقاط، ما لم تبادر هي إلى الهجوم كخير وسيلة للدفاع.
عامل التشابه الثاني هو الصراع على سوريا. فهي كانت في الخمسينات بيضة القبان الرئيسية في الصراع على زعامة المنطقة بين مصر الناصرية والسعودية. وهي اليوم الجائزة الكبرى في الصراع بين إيران والسعودية - مصر، من يفوز بها يفوز على كل المنطقة العربية. إنها لعبة الحصيلة صفر مجدداً.
لكن هنا عامل إضافي أطل برأسه في ،2008 وهو دخول "إسرائيل" بقوة على خط الصراعات. صحيح انها فعلت ذلك في السابق حين غزت مصر العام ،1956 ثم مصر وسوريا والأردن في ،1967 لكنها أقدمت على ذلك من خارج النظام العربي. الآن، الدولة العبرية تحاول اللعب من داخل هذا النظام عبر رفع شعار "التحالف العربي اليهودي ضد الخطر الفارسي". لكن هدفها الحقيقي بعيد المدى هو تصفية النظام الإقليمي العربي المتمثل بالجامعة العربية وقممها الدورية، تمهيداً لإقامة نظامها الشرق أوسطي الجديد.
لقد كان مثيراً أن يندد زفي بارئيل الكاتب "الإسرائيلي" في "هآرتس" أمس الأول بكون الجامعة العربية "نادياً مغلقاً على العرب"، برغم أن مقاله برمته كان للحديث عن قلق العرب و"الإسرائيليين" من تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة العربية. وهذه ليست زلة لسان عابرة، بل جزء من استراتيجية أجمع عليها "الإسرائيليون" منذ تأسيس دولتهم العام 1948.
وبالطبع، وصول الخلافات العربية - العربية إلى درجة الغليان، لن يفعل شيئاً سوى إنضاج هذه الاستراتيجية وتقريب لحظة دفن جامعة الدول العربية، تمهيداً لاستيلاد جامعة الدول الشرق أوسطية مكانها، وفي قلبها "إسرائيل".








أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية