zaalsalloum

واضحة ويسهل الوصول اليها

الأحلام... أبو خلدون

لو استمع يوليوس قيصر إلى زوجته كالبورينا وامتنع عن الذهاب إلى مجلس الشيوخ الروماني، في ذلك اليوم من منتصف مارس/ آذار عام 44 قبل الميلاد لما حدثت أشهر عملية اغتيال في التاريخ، ففي ذلك اليوم استيقظت زوجته وهي تشعر بانقباض شديد، وقالت له إنها رأت، فيما يرى النائم، أن عشرات الخناجر تنهال على جسد زوجها، فروت له الحلم، ورجته عدم الذهاب إلى مجلس الشيوخ في ذلك اليوم، فرفض. وفي طريقه إلى المجلس قابل مواطناً رومانياً عادياً ربما رأى حلماً مماثلاً فصاح المواطن به: “احذر 15 مارس”، فقال له القيصر ساخراً: “لقد انقضى ما يزيد على نصف اليوم” فقال له المواطن: “ولكنه لم ينقض كله”. ولم يأبه القيصر بالتحذير، واستمر في طريقه إلى مجلس الشيوخ ليجد 66 شخصاً من أعضاء المجلس أخفوا الخناجر تحت عباءاتهم ينهالون عليه بخناجرهم، فلم يملك القيصر إلا أن يغطي وجهه بعباءته، ويسقط على الأرض، بينما الدماء تنزف من 23 جرحاً أحدثتها الخناجر في جسمه. ومن هذه الحادثة دخل في الأدبيات الغربية وصف للشخص الغادر يقول: “إنه يخفي الخنجر تحت عباءته”، ولكن المستشرقين الذين حاولوا تشويه صورة العرب في أذهان الغربيين يقولون إن  هذه الصورة عربية الأصل رغم أن العالم كله يعرف أن العرب كانوا يتمنطقون بخناجرهم جهاراً عياناً ولا يخفونها تحت العباءات.

وكان الفيلسوف اليوناني سيسيرو يقول: “إن الله يحب عبيده، ولذلك فإنه يكشف لهم الكوارث التي سيواجهونها في الأحلام”. ويذكر المؤرخون أن الإمبراطور الروماني فلافيوس مارسيانوس شاهد حلماً رأى فيه قوس زعيم الغزاة الهون يتكسر، وفي صباح اليوم التالي مات أتيلاً، أما أغسطس قيصر، فقد أصيب بمرض عضال في إحدى الغزوات، أقعده عن الحركة، وذات صباح جاءه أحد أصدقائه وطالبه بالانتقال من خيمته إلى مكان آخر، والسبب هو حلم غريب رآه الصديق في منامه، فاستمع أغسطس إلى النصيحة، وبعد ساعات سقط الموقع الذي كان أغسطس فيه بيد الأعداء، ودخلوا الخيمة، وعندما لم يجدوه فيها مزقوا الفراش بسيوفهم وحرابهم. ويروي سيسيرو أن اثنين من المسافرين الأركاديين افترقا بعد دخولهما إلى إحدى المدن، فذهب أحدهم للإقامة في نزل، وذهب الآخر للإقامة في منزل صديق، وأثناء الليل، حلم أحدهما أن صديقه يصرخ ملتمساً المساعدة، فعزا الأمر إلى أضغاث الأحلام، وعاد إلى نومه، فرأى الصديق ثانية في الحلم يقول له: فات الأوان، فقد قتلوني وأخفوا جثتي في عربة، وفي صباح اليوم التالي توجه الصديق ليجد أن الصديق قتل بالفعل، وأن أهل المنزل يبحثون عن جثته، ولم يعثروا عليها إلا بعد أن قال لهم إنها مخفية في عربة، كما شاهد في الحلم.

وأفلاطون كان يقول إن الأحلام تجليات إلهية للروح أثناء النوم، ولذلك ينبغي أن نوليها الاهتمام الذي تستحقه، ويذكر عازف الكمان تارتيني إنه “سمع” موسيقا “سوناتا الشيطان” أثناء النوم، وعندما استيقظ عكف على تسجيلها، ولم يكن له فضل فيها إلا تحويلها إلى نوتة موسيقية.

والكثيرون من الشعراء والكتاب يعترفون أن أجمل كتاباتهم جاءتهم أثناء النوم، فقد كتب كوليريدج قصيدته الرائعة “كوبلاي خان” بعد أن كتبها في المنام، وكان يقول: إنني أكتب أثناء النوم بسلاسة وجمال أكثر بكثير مما أكتب وأنا في حالة اليقظة، وكان أرسطو يقول: “في الأحلام تجليات روحية فوق مستوى العقل”، وفرويد كتب مطولاً عن الأحلام ورأى فيها تجليات للعقل الباطن، أما نابليون فقد كان يرى لهذه التجليات علاقة بالواقع، ولذلك كتب كتاباً مهماً عن تفسير الأحلام، وفي مقدمة كتابه عن الأحلام يقول كميل فلاماريون: “إنني لا أتردد على الإطلاق في القول إن الأحلام تكشف المستقبل، وينبغي على الناس قبول هذا الأمر كحقيقة واقعة”

والناس يرون بأعينهم، ويسمعون بآذانهم، ويعيشون الحاضر فقط لأنهم لا يستطيعون خرق حاجز الزمن، ولكن في كل واحد منا قوة ترى من دون عينين، وتسمع من دون أذنين، وتعيش الماضي والحاضر والمستقبل في وقت واحد، وهذه القوة تستيقظ فينا عندما نغمض أعيننا ونستسلم للنوم العميق.

 



أضف تعليقا

tagee من المملكة العربية السعودية
30 مارس, 2008 01:11 ص
أحببت المقال كثيرا,الأحلام عالم غامض معقد ممتع يطغى عليه الجانب الروحاني وإلإحساس الغيبي أحيانا,أحب حديث الأحلام لأنه عالم آخرلا يشعر به إلاّ الذي عايش أحلام ورؤى تحققت ,لو أتبعنابعض رؤانا وأحلامناربما نكتشف جوانب إبداعية أو تحذيرية أحياناأو تبشرية كما أخبرنا حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم.
لكن أقدرانا بيد الله سبحانه وتعالى وحتى لو رأينا رؤية تحذيرية ,لا نستطيع فعل شيئ ؟؟؟مكتوب في قدرنا ؟؟؟
ودمت اخي الغالي بحب وبخير.إختياراتك موفقة دائما.
zaalsalloum من سوريا
30 مارس, 2008 12:15 م
تحياتي اختي العزيزة والغالية الدكتورة تغريد
انا كنت متأكد ان المقال سيعجبك لانني قرأت كتابتك الجميلة في امي الجزء الثالث
وقد وجدت هذا المقال لابو خلدون كالعادة بوقته وموضوع الاحلام موضوع ممتع جدا لأننا احيانا تتحول احلامنا بالفعل الى حقيقة
اشكرك مجددا واشكرك على تعليقك لانه اضافة لبنة اضافية للمقال الذي انتقيته
محمد