أجل، المناورات العسكرية “الإسرائيلية” الضخمة الجارية حالياً لا ترهبنا، كما قال “حزب الله”، ويجب ألا ترهبنا، فالخوف يشّكل 80 في المائة من أسباب الهزائم.
لكن، وبعد قول كل شيء عن الجوانب السايكولوجية لهذه المناورات، نأتي إلى الأبعاد الاستراتيجية، وهي أبعاد تجب مناقشتها بالدرجة ذاتها من الشجاعة التي نواجه بها الضغوط النفسية وعروض القوة العسكرية.
لا أحد يستطيع إلا أن يعجب بالطريقة التي يعالج بها العدو (والإعجاب ليس عيباً إذا ما تضمّن استيعاب الدروس) عثراته في حرب العام 2006 وحتى الآن. فهو بدأ عبر تقرير “فينوغراد” بمحاسبة الذات من القاعدة إلى القمتين العسكرية والسياسية (إطاحة وزير الدفاع ورئيس الأركان) عن سوء إدارة الحرب. وهو أتبع ذلك بوضع الخطط والبرامج الشاملة للاستعداد لحرب جديدة بأساليب جديدة على المستويين المدني والعسكري، ثم إنه بدأ يختبر هذه الخطط والبرامج، أولاً بالمناورات العسكرية الكبيرة في الجولان، والآن على تخوم جنوب لبنان وسفوح جبل الشيخ.
العلم والتخطيط العلمي سيدا الموقف في كل هذا الذي يجري، والاستعداد لمواجهة كل السيناريوهات، التقليدية منها وغير التقليدية، أدى إلى استنفار الدولة والمجتمع “الإسرائيليين” برمتهما وجعلهما يتحركان كجسم واحد، وجهاز واحد، بكل ما يعنيه ذلك من توظيف كامل قدرات الطاقة البشرية لخدمة المعركة.
إنها اسبارطة الحديثة قيد العمل، إنها أيضاً فرصة لدراسة العدو على الطبيعة وهو يستعد للحرب، ولمعرفة كيفية تحقيقه انتصارات مجلجلة على العرب في حروب 1948 و1956 و1967 و1973 (جزئياً) و1982. إنها أيضاً فرصة لمعرفة ما لا نقوم به نحن استعداداً لنزال جديد آت لا ريب فيه:
فنحن لا نزال منقسمين على أنفسنا، فيما “إسرائيل” قفزت فوق خلافاتها ونزاعاتها وتوحّدت في جبهة داخلية متراصة.
ونحن نواصل خوض حروبنا الأهلية متعددة الرؤوس: سوريا- السعودية، سوريا- مصر، 14 مارس/ آذار، 8 مارس/ آذار، فيما “إسرائيل” انتهت، أو تكاد، من إعداد العدة للانقضاض علينا جميعاً.
ثم، وهنا الأهم، نحن لا نهتم باستنفار مدنيينا ومجتمعاتنا المدنية وتوفير سبل الصمود أمامهم، من ملاجئ، ومستشفيات، وخطوط إمدادات غذائية، وأقنعة واقية من الغازات، وتعبئة نفسية، وخطط لإبعاد الأطفال عن خطوط الجبهة.. إلخ، بينما “إسرائيل” تقوم بكل ذلك وأكثر.
لا أحد ينفي الحقيقة بأن حزب الله جهّز نفسه للمعركة المقبلة عتاداً وعديداً. ولا أحد يستطيع أن يخفي حبوره من الأنباء المتسربة من سوريا حول إعادة تنظيم العديد من الفرق العسكرية وفق أسس حرب العصابات التي نجح فيها حزب الله (كوكتيل الكوماندوز والصواريخ).
لكن هذا غير كاف، فالحرب المقبلة ستكون في الدرجة الاولى حرب مدنيين، والمجتمع المدني الذي يصرخ أولاً، سيخسر الحرب حتى ولو ربحها العسكر، هذا هو الدرس الأول والأكبر لحرب ،2006 وهذا ما استوعبته “إسرائيل” جيداً وتعمل الآن على أساسه.
* * *
هل نخاف؟ كلا، لكن فلنستنفر طاقاتنا كما يفعل العدو، وسريعاً.








أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية