zaalsalloum

واضحة ويسهل الوصول اليها

محدثو النعمة ...حسن مدن

في العديد من الأفلام العربية، خاصة تلك التي شكلت الظاهرة التي عرفت بالسينما الجديدة في سبعينات القرن المنصرم، قدمت شريحة محدثي النعمة التي أفرزتها التحولات الاجتماعية التي شهدتها البلدان العربية في العقود الماضية بصورة دقيقة تظهر هشاشة هذه الشرائح وزيف قيمها.


 

وسُلط الضوء كثيراً على المنابت والمناشئ الاجتماعية التي ظهرت منها هذه الشرائح، التي ظلت رغم تعلقها المبالغ فيه بالمظاهر وباقتناء الفلل والسيارات الفاخرة والأجهزة، تعكس في سلوكها الاجتماعي ما كانت قد نشأت عليه في الأصل قبل أن تشق طريقها إلى النعمة عبر طريق الثراء المشروع حيناً، وغير المشروع في غالب الأحيان، موظفة ما لديها من مهارات “الفهلوة” والنصب والشطارة بالمعنى المبتذل.


 

في إحدى رواياته، العائدة لفترة الثمانينات، صوّر الكاتب السوري حنا مينا سلوك هذه الشرائح تصويراً دقيقاً عبر تحليله لسلوك نماذج روائية، مأخوذة من الواقع، أفرزتها تحولات تلك المرحلة، مركزاً على تباهيها أمام القرناء أو أمام من هم أدنى مستوى بامتلاك هذه البضائع أو استهلاكها أمارة الثراء والغنى، والنظر بازدراء لكل ما هو محلي أو وطني بوصفه تعبيراً عن وضاعة المكانة الاجتماعية أو الفقر.


 

ومن أجمل ما قرأته عن سلوك هذه الشريحة ما جاء على لسان بطل الراحل جبرا إبراهيم جبرا في إحدى رواياته الذي راح يراقب سلوك بعض المنتسبين لهذه الشريحة وهو جالس في أحد المطاعم: “انظر كيف يتصرفون، الأكل يفيض من شفاهم، أما جيوبهم فإنها منفوخة كالريش، لا ليس الجيوب، هم أنفسهم منفوخون كالريش، أما الجيوب فمنفوخة بالذهب الحرام”.


 

محدثو النعمة هؤلاء الذين نراهم هنا وهناك، يعبرون عن التطور المشوه الذي عرفته مجتمعاتنا في العقود الماضية، فأفرز هذه الفئات التي ينطبق عليها وصف الطفيلية بدقة لأنها في الغالب فئات غير منتجة، أثرت باستغلال المنافذ غير الشرعية التي أتاحها هذا التطور المشوه.


 

وعلى خلاف الفئات الاجتماعية التي توارثت الثراء أجيالاً وراء أجيال، ورسخت لنفسها تقاليد في السلوك، وأقامت شبكة مصالح راسخة وثابتة، وعلى خلاف القاعدة الاجتماعية الواسعة من محدودي الدخل الذين يبدون متسقين في سلوكهم مع أوضاعهم وإمكاناتهم، فان فئة محدثي النعمة بمقدار هلاميتها ولزوجتها فإنها تعكس انفصاماً عميقاً في سلوكها وفي أشكال التعبير السياسي الثقافي عن نفسها يشير إلى أن وجودها هو آفة أكثر مما هو تعبير صحي عن صعود مشروع لفئات عصامية تعلمت وكدّت وثابرت لتنال ما نالت. 


 

 



أضف تعليقا

tagee من المملكة العربية السعودية
14 ابريل, 2008 01:41 ص
سأكتب مثل عامي أعجبني عن هذه الفئة من الناس (كّنا في جرة وطّلعنا لبرةّ)
محدثو النعمة يعرفون على بعد أميال ,يلبسون ثياب ليست لهم والأمّر من ذلك بعضهم يتّبجح على الأخرين أو الفقراء من الناس ,يعيشون حياة فقاّعية فارغة وهمّهم الأول المظاهر التي يعيشون ويموتون لأجلها .
أصعب مافي الموضوع انهم يعيشون حياة غير واضحة الملامح لا هّم أشخاص عاديين لم تغيرهم كثيرا الأموال ولا هّم أغنياء ولدوا وفي أفواههم ملاعق من ذهب.
شكرا أخي الغالي محمد ودمت بحب وبخير. 87
zaalsalloum من سوريا
24 ابريل, 2008 11:24 ص
تحياتي اليك اختي العزيزة الدكتورة تغريد
اشكرك مجددا
لو تأتي الى دمشق وتشاهدي محدثي النعمة في بلادي
لاستغربت تفاهاتهم اكثر مما تتصورين
اشكرك على الدوام وعن كل تعليق
محمد