zaalsalloum

واضحة ويسهل الوصول اليها

كلنا مُراقِبون ...حسن مدن

كل الناس في الحياة مراقبون. صحيح أن الأمر يتفاوت، نسبةً وعمقاً، من شخصٍ إلى آخر، لكن ما من امرئ إلا وهو معني بمراقبة محيطٍ يضيق أو يتسع من الأشياء، وكذلك من الناس الذين يهمه أمرهم، وفي بعض الأحوال حتى أولئك الذين لا يهمه أمرهم في جرعةٍ زائدةٍ من الفضول.


 

حتى  تقييماتنا وملاحظاتنا عن الناس وعن الأشياء إنما هي، في مقدارٍ معين، حصيلة هذا النوع من المراقبة، التي تصل في بعض الحالات إلى درجةٍ من التركيز يضاهي الفراسة في دقة الحكم على الأمور وعلى طبائع وميول الأشخاص.


 

ثمة بشر يمتلكون هذه الحاسة النافذة في التقدير مُعتمدين على سرعة البديهة ودقة الملاحظة، وبالتأكيد على الخبرة المتراكمة المكتسبة من الحياة.


 

ويبدو أن المادة الخام للإبداع على أنواعه، خاصة الكتابة، هي تلك المستقاة من المراقبة.


 

أول ما يفعله المبدع هو، على الأرجح، تسجيل مشاهداته وإعادة تركيبها فيما بعد متوسلاً في ذلك مخيلته وأدواته الفنية المكتسبة. إن الراوي في القصة أو الرواية إنما يسرد حصيلة مراقباته التي تبدو في بعض مظاهرها أشبه بالتلصص على عوالم الشخوص والنفاذ إلى دواخلهم.


 

لأنطون تشيخوف قصة عنوانها “حكاية رجل مجهول”، عن خادمٍ يراقب تصرفات سيده، ويرويها مُركزاً على الجوانب الأكثر إثارة للغرابة والدهشة. إن الراوي هنا يتلبس شخص الخادم لأن ذلك يمنحه فرصة الاقتراب الشديد من الشخص موضوع الحديث في أكثر الأماكن والأشياء خصوصية وتفصيلية، بدءا من طريقة وموعد نومه وساعة صحوه وطقوس ما بعد الصحو، ودخوله الحمام وارتدائه ملابسه وخروجه من البيت.


 

في الغالب لا يجد الإنسان المتسع من الوقت، وأحياناً لا يملك الوعي الكافي، لمراقبة تصرفاته، فلا ينتبه إلى البواعث الحقيقية لسلوكٍ أتى به.


 

إن مراقبة الذات تأتي في الغالب بعدما ينجز الفعل ويهدأ الانفعال، وهذا يذكرنا بسؤال أثاره أحد الكتاب ذات مرة عما إذا كان بوسع الناس أن تخرج من ذواتها كما تخرج من البيت إلى الشارع.


 

يبدو أن الذات هي حصيلة مُركب من أمرين: التجربة والمراقبة. إن الإنسان مجرب ومراقب لذاته في آن.


 

الفعل أو رد الفعل الآني والمنفعل نتاج منطقةٍ في هذه الذات، أما المراقبة فهي عمل ذهني بامتياز هدفه ترشيد الانفعالات وضبطها.


 

والمراقبة بهذا المعنى قد تكون خلاقة، ولكنها قد تكون قامعة أيضاً. 


 



أضف تعليقا

yossri252 من مصر
11 ابريل, 2008 08:20 م
عزيزي .. محمد
مقال متميز .. يشير إلى ضرورة مراقبة الأشياء .. و بعدها يأتي الأبداع .. فهناك حقيقة تقول أن المبدع يرى ما لا يراه الأخرون ..
تحياتي لك
يسري أبو الخير
tagee من المملكة العربية السعودية
14 ابريل, 2008 01:34 ص
فعلا إختياراتك متميزة جدا اخي الغالي محمد
انا أحبّ أسلوب الكاتبين المتميزين د.حسن مدن وأبو خلدون .
فعلا نحن مراقبون سواء أعترفنا بذلك او تجاهلنا ذلك ؟؟؟
مراقبون من الأخرين بدرجة كبيرة وفي أدق تفاصيل حياتنا ؟؟؟
ونحن نراقب الغير وننسى أنفسنا وننسى كيف نرتقي ونحّسن من عيوبنا أحيانا أخرى.
المهم كما قال الكاتب هي مراقبة الأخرين بدقة وليس بدافع الفضول هو أنّنا نتعلم من مراقبتنا الأشخاص ومراقبة سلوكياتهم اليومية وتفاصيلهم البسيطة الشئي الكثير وكّل هذا يخّزن في عقلنا الباطن ويصبح حصيلة تجارب نستخدمها في حياتنا وأيضا لنتجنب بعض التصرفات غير المحببة التي نتعامل بها مع الناس .
أمّا بالنسبة لتقمص الشخصيات ففعلا بالمراقبة الدقيقة والهادئة حتى للتفاصيل المملة والغريبةوالأحساس النابع من الأشخاص, نستطيع ان نعيش حياة أشخاص أخرين وحتى حياة لم نحيها من قبل كما في قصة رجل مجهول.
ودمت عزيزي بحب وبخير.
طارق زياد من سوريا
16 ابريل, 2008 12:29 م
يا ريت تكون المراقبة كلها خلاقة
أما القمعية فهي التي دمرت أجيالا كثيرة ومجتمعات بأكملها
شكرا لك صديقي العزيز وشوقتني لأقرأ الرواية اللي ذكرتها
zaalsalloum من سوريا
24 ابريل, 2008 11:09 ص
الاخ يسري252
اشكرك على زيارتك واكثر على تعليقك
انا سعيد بالفعل لاطلالتك في مدونتي
شكرا مجددا
محمد
zaalsalloum من سوريا
24 ابريل, 2008 11:11 ص
الاخت العزيزة والغالية الدكتورة تغريد
اشكرك على كلمة تخطيها وتكتبيها ووانا سعيد لان اختياراتي تعجبك
وتعليقك كعادته يضيف اشياء جميلة او يعيد قولبة المقال بطريقة اجمل
محمد
zaalsalloum من سوريا
24 ابريل, 2008 11:14 ص
دكتور طارق الغالي
بالنسبة لتشيخوف اعتقد انني حضرت انا واياك فيلم سانتياغو الجميل بالثقافي الفرنسي
سلامي اليك وكيف ايامك
بالنسبة لي قمت بتشفير معظم طلابي وسأتفرغ قريبا للحفلات والدراسة فاستعد ان كنت جاهزا لربط الحزام وحضور اجمل الحفلات
خيك ابو حميد