أنت محظوظ ولا شك اذا كان جارك من الفنانين الحديثين، لانك أولاً، تتسلى معه عندما تشعر بالضجر، فأفكار الفنانين الحديثين تجلب المتعة إلى النفس أكثر من نوادر جحا وأبي نواس، ولأنك، ثانياً، لا تضطر إلى حمل نفاياتك وإلقائها في برميل النفايات في مواجهة منزلك، لأن ما تعتبره انت وغيرك من الجهلة نفايات يعتبره الفنان الحديث مادة للفن.
وفي مدينة لوس انجلوس في ولاية كاليفورنيا الأمريكية فنان حديث جداً يدعى ليو سيويل، وجيران هذا الفنان لا يلقون بنفاياتهم في سلة المهملات، وإنما يتصلون به لكي يحضر ويأخذها، وهو يفعل ذلك بكل سرور، لأنه يأخذ النفايات ويعيد تدويرها ويحولها إلى “قطع فنية” تحتل مكاناً بارزاً في بيوت الأثرياء الجدد الذين يريدون ان يثبتوا جدارتهم بالثروة التي هبطت عليهم من عالم الغيب باقتناء تحف فنية لكي يقولوا انهم يفهمون في الفن.
ومن الأعمال الفنية التي صنعها سيويل: حصان مصنوع بالكامل من قطع الحديد وشرائح الألمنيوم، والحصان بالحجم الطبيعي، وقد أطلق عليه سيويل اسم “هي هو سلفر” وباعه لأحد الأثرياء بمبلغ 25 ألف دولار، كما صنع نماذج للكائنات التي ظهرت في فيلم “الحديقة الأوراسية” اشترى مخرج الفيلم ستيفن سبيلبيرج معظمها، وفي التمثال الذي صنعه لشعار الحزب الجمهوري “الفيل” استخدم أنبوب مكنسة كهربائية للخرطوم، وجعل أذني الفيل من أزرار الدعاية الانتخابية التي استخدمها بوش في حملة إعادة انتخابه. وفي تمثال ديانا “وثن الصيد عند اليونانيين” أعطى سيويل ديانا شكل وطبيعة الفتاة العصرية، وحملها قوسا شدت سهامه استعداداً لإطلاقها، وقد استخدم في التمثال شرائح ألمنيوم مطلية بالألوان تستخدم في اللافتات الدعائية والإعلانية.
وقبل مدة أقيم في لندن معرض للفن الحديث قدم فيه أحد الفنانين “لوحة” بعنوان “الحياة الحديثة”، هي عبارة عن كيس زبالة من البلاستيك يحتوي على اوراق ممزقة وقشر موز وبرتقال، ونفايات أخرى، ووضع اللوحة على طاولة وأحاطها ببرواز، وفي صباح اليوم التالي للعرض جاء عمال التنظيفات وشاهدوا الكيس، فظنوه من الأشياء التي تدخل في نطاق عملهم (ولم يخطئوا في ذلك) فأخذوه مع النفايات الاخرى التي جمعوها من غرف المعرض. وعندما افتتحت أبواب المعرض لاستقبال الجمهور فوجئ المسؤولون في المعرض ان اللوحة غير موجودة، وبالتحقيق اعترف عمال التنظيفات انهم رموها مع النفايات.
وفي معرض للفن الحديث أقيم في ألمانيا قبل سنوات عرضت لوحة أثارت اهتمام خبراء الفن هي عبارة عن خطوط بالألوان مرسومة على الورق، عثر عليها داخل سرداب المبنى الذي يقع فيه المتحف، وتشاء الصدف ان يكون بين جمهور المتحف مهندس تمديدات صحية، فضحك من الاعماق عندما شاهد اللوحة وقال للمسؤولين عن المعرض: “هذه الخطوط التي تزعمون انها لوحة هي من رسمي، وقد رسمتها بالألوان لأعرف اتجاه التمديدات، ولم يخطر في بالي على الإطلاق انها تعرض كلوحة فنية”.
ولا زلت أذكر ذلك الخبر الذي نشرته احدى الصحف في الستينات عن فنان حديث وقف أمام بقايا لوحة إعلانية يعرب عن إعجابه بها وببراعة الفنان الذي رسمها، ليفاجأ بأحد العمال يحضر بعد دقائق ويطلي اللافتة بالصمغ ويعلق منشور دعاية لفيلم سينمائي عليها، وتبين ان اللوحة التي أعجبت الفنان الكبير هي بقايا إعلان سينمائي سابق.










22 ابريل, 2008 04:02 م