zaalsalloum

واضحة ويسهل الوصول اليها

لحود والعروبة والمسيحيون: سحر وسحرة...سعد محيو

كلمات سحرية وعاقلة تلك التي نطق بها الرئيس اللبناني السابق إميل لحود قبل يومين.


 

قال: رئيس لبنان الماروني لا يستطيع أن يحكم لبنان المسلم- المسيحي إلا إذا كان عروبياً، شرقياً، مقاوماً، وملتزماً آمال وتطلعات الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج.


 

وقال: على مسيحيي لبنان الإفادة من عبر التاريخ. من انحاز منهم للغرب الصليبي في القرن الحادي عشر رحل معه بعد هزيمته على يد صلاح الدين. ومن وقف مع الاحتلال الفرنسي و”الإسرائيلي”، وجد نفسه بلا وطن بعد زوال هذين الاحتلالين. ثم قال: نحن (المسيحيين) شرقيون. وإذا ما أردنا البقاء في الشرق، يجب ان نتوقف عن اعتبار أنفسنا غربيين.


 

لحود كرر، وشدد على التكرار مراراً، أنه لا ينطق بلغة العاطفة والهوى حين يدعو إلى الاندماج المسيحي بالعروبة والمقاومات العربية، بل بلغة المصالح. وهذه نقطة مهمة، لأن أزمة الهوية التي تطحن موارنة لبنان تتضمن، من ضمن ما تتضمن، فقدان الارتباط العاطفي بالعرب الآخرين. وسبق للمنظر الكتائبي جوزف أبو خليل أن عبّر عن ذلك في كتابه “لبنان وسوريا” حين قال إنه “كان يبذل جهوداً لحمل نفسه على التعاطف مع العرب الآخرين من مصريين وجزائريين وغيرهم، لكنه لم يستطع”.


 

المصلحة تقتضي أن يكون المسيحيون عروبيين. وهذه ليست نقيصة، بل ربما تكون أهم من الرباط العاطفي لأن نتائجها تكون أقوى فعالية. ثم إن المصلحة تجر بالتدريج إلى العاطفة، إذ “حين تتبدل الظروف يبدو الخلق وكأنهم ولدوا من جديد”، كما كان يقول، عن حق، عبد الرحمن بن خلدون.


 

مسيحيو لبنان قطعوا أشواطاً لا بأس بها على طريق التعريب المصلحي. فتيار العماد ميشال عون يجاهر بعدائه السافر ل “إسرائيل” (وبالتالي انحيازه للقضايا العربية)، وهو دفع جماهيره إلى الوقوف مع المقاومة، مما حدا بالشاعر والمفكر غسان مطر إلى وصف هذا التحول بأنه “معجزة”. وتيار سمير جعجع (ذو السوابق التحالفية مع “إسرائيل”) بدأ يتلمس طريقه العربي عبر تماسه المباشر مع مسلمي 14 آذار/ مارس. ومؤسسة الجيش، التي تعتبر عرين القوة المارونية، اعيد بناؤها على أسس عقائدية جديدة تعتبر “إسرائيل” “العدو الاول”.


 

بالطبع، كل هذه التغيّرات حدثت بفعل الصدمات الموضوعية التي تلقاها الموارنة على يد “إسرائيل” والغرب، بما في ذلك حتى “الأم الحنون” فرنسا. لكن الرئيس لحود لعب دوراً مهماً من موقعه الرئاسي في بلورتها عملياً.


 

فهو ربما يكون أول رئيس جمهورية لبناني يحول عروبة لبنان من مادة إيديولوجية متصارع على مضامينها بين المسلمين والمسيحيين، إلى مادة استراتيجية جعلت العداء ل “إسرائيل” قاعدة الهوية اللبنانية الجديدة. وهذا تكرّس بوضوح عبر التحام دولة لحود بثورة المقاومة في الجنوب.


 

ولحود كان قائد الجيش الوحيد الذي نأى بالمؤسسة العسكرية عن الفساد الطائفي والمالي، وبذل جهوداً مضنية لجعل الجيش حضناً للسلم الأهلي، بعد أن شرذمته الحرب الأهلية إلى شيع ومذاهب وميليشيات. وهو شن في عيد الجيش العام 2002 حملة عنيفة على النظام الطائفي اللبناني، بشطريه الاقتصادي والسياسي، منتقداً “إصرارنا على ما نحن عليه: مجموعة من الكيانات الطائفية التي تتقاسم في ما بينها المواقع والمكاسب، فإن قويت عليها الدولة تحالفت في ما بينها لإسقاطها، وإن ضعفت عنها الدولة تقاتلت بعضها مع بعض وأسقطت الوطن”.


 

ثم إن لحود، أخيراً، كان الرئيس الثاني بعد فؤاد شهاب الذي وضع نصب عينيه أولوية بناء دولة حديثة مستندة إلى حكم القانون والمؤسسات، وكان مستعداً للقفز فوق طائفته المارونية لإقامة صرح وطن وطني لا طائفي، صحيح أنه لم ينجح لأسباب عدة، لكنه حاول على الأقل.


 

لحود نطق بالكلمات السحرية العاقلة التي قدمت للمسيحيين خريطة الطريق لبقائهم وازدهارهم بصفتهم طليعة عربية حديثة. بقي أن ينجح هؤلاء في التحول إلى عقلاء وسحرة العروبة والنهضة العربية، كما فعل أسلافهم في أواسط القرن 19 وأوائل القرن ال 20.
عن الخليج الاماراتية


أضف تعليقا