محمد القيسي شاعر مجيد كان في ستينات القرن الماضي يعمل في الصحافة، وكان مكتبه يجاور مكتبي في الجريدة ذاتها، واذكر انني سألته: “هل جنت الصحافة عليك كشاعر؟” فردد على مسامعي كلاما سبق أن سمعته من أدونيس عندما كان مديرا لتحرير جريدة لسان الحال التي كان يصدرها جبران الحايك في بيروت من أن لا شيء يمكن أن يؤثر في الموهبة الحقيقية، أما إذا كانت الموهبة غير أصيلة فأي شيء يمكن أن يؤثر فيها. وعندما فاز الزميل خيري منصور بجائزة الصحافة العربية لأفضل تعليق، سألته: “كيف استطعت أن تجمع بين الشعر الجيد والتعليق الجيد”؟ فقال: “إن قاربي يبحر بمجذافين”. وكثيرون هم الشعراء وكتاب القصة والرواية الذين عملوا في الصحافة كوسيلة لكسب العيش، لأن الأدب عندنا لا يطعم خبزا، فقد عملت غادة السمان في الأسبوع العربي في الستينات، وكان الشاعر صلاح عبد الصبور إلى حين وفاته يترأس القسم الأدبي في الأهرام، وأحمد مطر ترأس القسم الأدبي في القبس، وشوقي أبو شقرا يترأسه في النهار، وعندنا في “الخليج” توالى على القسم شاعران كبيران هما محمد الماغوط ويوسف أبو لوز، رئيس القسم الحالي. وكل هؤلاء أثرت الصحافة تجربتهم الشعرية ولم تجن عليها. ولكن الروائي والناقد الأمريكي أندرو أوهاجين، الذي أصدر قبل أيام رواية رائعة بعنوان “كن بقربي” يقول: “إن الصحافي عندما يكتب شعرا أو قصة يكون كالأميرة التي تشغل نفسها بصنع تاج من الأزهار، فهي تريد أن تتسلى أولا، وأن تدخل شيئاً من الحركة على حياتها” ولكن هذا الرأي فيه شيء من عدم الدقة، ولا أعتقد أن عزرا باوند كان يتسلى بصنع تيجان من الأزهار عندما كان يكتب قصائده، رغم أنه كان يعمل في الصحافة. ولكن الأديب، شاعرا كان أم قاصا، الذي يعمل في الصحافة تعترضه مشكلتان ربما كانتا السبب في قولهم إن الصحافة تقتل الأدب، أولهما أنه يجد نفسه مضطرا لتطبيق المقاييس النقدية التي يستخدمها في كتاباته الصحافية على نفسه، وهي غالبا ما تكون صارمة ودقيقة ومن النوع الذي يتصيد الأخطاء للتشهير بها، وبذلك يقع ضحية ما جنت يداه. وثانيهما أنه بحكم عمله الصحافي محاصر بمشاكل العالم أكثر من غيره، من المعايير المزدوجة التي تتبعها أمريكا في سياساتها، إلى المجاعات في الدول الفقيرة، إلى الحروب والتمحورات والاستقطابات، إلى محاولة الشباب تأكيد ذاتهم في مجتمعات تسلبهم كل شيء، إلى فلسفات العدم والسأم والملل والعبثية واللاجدوى التي يعلّمها بعض المفكرين للشباب، وبذلك فإنه يبتعد عن نفسه نسبيا. ومهما كانت معرفته بالقضايا التي يعاني منها جيله، تظل معرفته بنفسه أكثر. وقد كان اللورد طومسون، امبراطور الصحافة، يقول: “إن الصحافي يمتلك وظيفة ولكنه لا يمتلك نفسا”. ولذلك فإنه عندما يكتب شعرا أو قصة أو رواية تأتي كتابته باهتة وغير صادقة. وأوضح دليل على ذلك الناقد الفرنسي المعروف سيريل كونولي، فقد كتب قصة بعنوان “بركة الروك” حاول فيها أن يطبق مقاييسه النقدية على كتاباته، ويصور مشاكل الشباب وأحلامهم، ورغم أن معرفته بمادة كتابته غزيرة إلا أن قصته جاءت باهتة بلا حياة.
نعود ونقول مع القيسي وأدونيس: إن الموهبة الحقيقية لا يمكن أن يؤثر فيها أي شيء.
الاربعاء, 23 ابريل, 2008
أضف تعليقا








أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية