سبق السيف العذل:
البشر سائرون لا محالة نحو مستقبل قريب سيتم فيه “إنتاجهم” في مختبرات العلم الجيني، وستربط بموجبه خلايا أدمغتهم العصبية بمليارات رقائق السيليكون الإلكترونية.
إنها الثورة المزدوجة التي ستُغير طبيعة الإنسان عبر تغيير جيناته، ثم ستغير هذا التغيير من خلال تزويج الإنسان للآلة، أو الآلة للإنسان.
الثورة الأولى (الجينية) وضعت على نار حامية منذ العام 2003 حين استكمل العلماء وضع “الخريطة الجينة” (Genome) بكلفة 3 مليارات دولار. لكن كل التوقعات تشير الآن إلى انه بعد أربع أو خمس سنوات، سيكون في وسع أي كان شراء “جينومه” أو جينوم طفله بمبلغ لا يتجاوز الألف دولار. وحينها، ستكون المسألة مسألة وقت قبل أن يكون في وسع الآباء والامهات، كما الحكومات والدول، تحديد شكل الطفل الذي يريدون، ومستوى ذكائه، واوضاعه الصحية. كيف؟ ببساطة عبر استبدال بضع جينات في حمضه النووي.
وكما الثورة الأولى (الجينية)، كذلك الثورة الثانية (الذكاء الاصطناعي). فهذه أيضاً حققت انطلاقة قوية مؤخراً بعد أن وضع العلماء خططاً لدمج خلايا الدماغ بخلايا تبتكرها الآن “النانوتكنولوجيا” المتخصصة بإنتاج الروبوتات (البشر الآليين) متناهية الصغر. الهدف: تطوير الدماغ بحيث يتمكّن ليس فقط من القيام بنحو 200 عملية حسابية في الثانية كما الحال الآن، بل بمائة مليون عملية في الثانية.
البشر الذين سيولدون من رحم هاتين الثورتين لن يكونوا “بشراً” تماماً. ثلثهم سيكون جسماً حياً. ثلثهم الثاني سيكون آلة. أما الثلث الثالث فسيتحكم به العلماء الذين سيكونون قادرين، بحكم اطلاعهم على الخرائط الجينية، على التحكم بسلوكياتهم.
هذه الحقائق تثير القشعريرة الآن في أبدان الكثيرين، الذين يوردون الاحتجاجات الآتية:
هذه التطويرات ستقضي على حرية الإنسان، طالما انه سيكون حصيلة ما يختاره الآباء والأمهات من الجينات، لا نتيجة ما يحققه هو لنفسه بنفسه. وهي ستدمر أيضاً علاقات الحب والتعاطف بين البشر، وتحل مكانها نزعة الاستهلاك والتملك الشخصي للمواليد الجدد. والأهم انها (التطويرات) ستشعل “سباق تسلّح جيني” في كل أنحاء العالم: بين الدول التي ستتنافس على “إنتاج” الأفراد الأذكى والأكثر صحة وصلابة؛ وفي داخل هذه الدول نفسها، حيث سيتمكن الأغنياء من استخدام ثرواتهم للحصول على سلالات تتفوق على باقي فئات المجتمع. وهذا سيخلق صراع طبقات لا مثيل له في التاريخ البشري. لا بل يتخوف البعض من أن تعمل السلالات المتفوقة على إبادة معظم البشر “العاديين”، كما أباد الجنس البشري قبل ملايين السنين جنس “الإنسان المنتصب” الذي كان حلقة الوصل بين البشر والقرود.
علماء الجينات والذكاء الاصطناعي يعترفون بوجود كل هذه المخاطر. لكنهم يقولون انه لا سبيل لوقف تقدم العلم ولاكتساح التكنولوجيا لكل مجالات الحياة. وهذا ليس فقط بسبب طبيعة هذا العلم وتلك التكنولوجيا فحسب، بل أيضاً بسبب المصالح الاقتصادية الضخمة (اقرأ الرأسمالية) الجاهزة أبداً للإفادة من كشوفاتهما.
هل هؤلاء على حق؟ أجل، من أسف. فصرخات الاحتجاج الراهنة لن تسفر عن شيء في الغالب، تماماً كما لم تسفر ثورة عمال القرن التاسع عشر ضد الآلات البخارية عن وقف تقدم الصناعة التقليدية، أو ثورة الكنيسة قبل ثلاثة قرون عن عرقلة ولادة الطب الحديث.
الآن جاء دور “الصناعات الجينية الاصطناعية”. والآن سنشهد أيضاً ثورات مماثلة. لكن الحصيلة ستتكرر بحذافيرها: فالسيف سيسبق العذل مجدداً، أو هو سبقه بالفعل!










04 مايو, 2008 09:11 ص