عشر سنوات مرت على رحيله، لكنه لم يُبارح مكانه أبدا في ذاكرتنا الشعرية، وفي الحياة الشخصية لقرائه الذين يُعدون بالملايين على الخريطة العربية الممتدة مغرباً ومشرقاً.
التوقف أمام ذكرى رحيله العاشرة ليس من قبيل تذكر ما نُسي، وإنما لتجديد الامتنان للشاعر الذي أشعل الأفراح في القلوب، وأحالها إلى حدائق خضراء تسكنها القصائد التي نثر فيها ذرات من قلبه الذي عاش بالحب وفاض به وهو يموت.
نزار قباني هو الذي علمنا أن نكون أجمل مما نحن وأرقّ وأعذب وألطف، وأن نخاطب المرأة بالشعر، وبه نعتذر إليها ونواري سورات الغضب، وبالشعر أيضاً نناجي ونعاتب.
شاعر هو نسيج ذاته، ليس له من شبيه، وإن كان الكثيرون قد تعلموا في مدرسته، فما من أحدٍ قبله، وسيمر زمن طويل قبل أن يفعل أحد مثله في ولوج المناطق المحرمة، وكسر التابوهات التي كبّلت الناس طويلاً.
على يده ذهبت القصيدة العربية إلى تلك المجاهل والمكامن في النفس الإنسانية، وفي ذات المرأة بشكلٍ خاص، ففتح بذلك فضاءات جديدة للشعر والحياة، بل انه بالأحرى وحّد الشعر بالحياة والحياة بالحب.
ما من شاعرٍ مثله مجّد عاطف الحب وانتصر إلى نُبلها وجنونها ونزقها وحلق عالياً في سماواتها، فوهبنا الفرح والألق والسعادة، حين أحال الشعر إلى حياةٍ موازية، إلى خبزٍ يوميٍ لملايين الناس التي تتوق للانعتاق.
ونزار قباني وإن لم يكن شاعر ثورة بالمعنى المتداول، فإنه شاعر ثورة من نوعٍ آخر، ثورة على القمع الداخلي المفروض علينا والمفروض من قبلنا، فهزيمتنا الكبرى في ميدان الحرب هي خلاصة هزائمنا الداخلية الصغيرة، نتاج العُقد والقيود وأشكال الأسر التي تُقيدنا من الأيدي والأرجل.
في مرثيته لزوجته بلقيس قارن بين سقوطها تحت الأنقاض شهيدةً في انفجار قنبلة وبين ما دعاه سقوطه بين أنياب عصرٍ عربي يفترس القصائد وعيون النساء ووردة الحرية.
نبوءة الشعراء حادة كالشفرة، لمّاحة كومضة البرق، ونزار وإن كان شاهداً على هذا العصر، فإنه كان نقيضه والروح المتمردة عليه والرافضة له.
فهو إذ وهبنا الفرح وصاغه قلائد تخطف الأبصار، هاله أن الواقع الذي سعى لأن يؤسس رديفاً شعرياً بديلاً له هو من القتامة حداً جعلت الخيبات فيه تتوالى كعقدٍ انفرط من أحد طرفيه، فلم يعد هناك سبيل لوصل ما انقطع.











08 مايو, 2008 01:47 ص