أخيراً، نجحت العولمة وبامتياز في تحقيق أهم أهدافها وهو عولمة الفقر تساعدها على ذلك مؤسسات دولية بالغة النفوذ تعمل على الانتصار للأغنياء والانتقام من الفقراء، في مقدمة هذه المؤسسات البنك الدولي والصندوق الدولي ومؤسسات أخرى تتخفى وراء هاتين المؤسستين الظالمتين، وكلها تسعى إلى رفع درجة التفاوت بين الأغنياء والفقراء والوصول به إلى درجة الانفجار. وواضح أن المهمة لم تعد صناعة دول غنية وأخرى فقيرة بل صناعة أغنياء وفقراء بغض النظر عن أماكن إقامتهم أو الدول التي ينتمون إليها أو الشعوب التي كانوا ضمن رعاياها، وهي جريمة أخلاقية من شأنها تقريب الأغنياء والفقراء من حتفهم.
ومن المؤكد، أن البشر كانوا قبل مائة عام، وقبل ظهور هذه المؤسسات الدولية، وقبل خروج العولمة من القمقم الاقتصادي أقل انقساماً وفقراً وتفاوتاً مما هم عليه الآن. في حين كان الأمل في إزالة الفوارق وإيجاد نوع من التساوي أو المساواة يداعب أفئدتهم. أما الآن وتحت وطأة التفاوت العميق الذي بات السمة الغالبة في حياة البشر والتبدل السريع الذي يزيد القلة الغنية غنى والأكثرية الفقيرة فقراً، فقد اختلف الحال وتبددت الآمال والأحلام، وصارت اللامساواة العنوان البارز في حياة الناس، وأطلت المجاعة في صورها الشاحبة المرعبة.
إن الأوضاع الحالية وما اتسمت به من تفاوت مريع لا يمكن أن تصمد أو تستمر، والنسيج الاجتماعي الراهن والمعرّض للتلف لا يمكن أن يدوم لفترة أطول في ظل ارتفاع الأسعار واختفاء المواد الغذائية من الأسواق، وما يصاحبها من حمى الاستهلاك، والإشكالية الكبرى أن هذا التفاوت المثير لم يعد علامة على منطقة في العالم دون أخرى، بل أصبح يعم العالم أجمع ويطارد الفقراء أينما كانوا في الدول الغنية أو الفقيرة، وكما أحكم الأغنياء سيطرتهم على مصادر الثروة والسياسة فقد أحكم الفقر سيطرته على كل فقراء العالم، ولم يعد هناك سوى خيط رفيع يفصل بين فقراء العالم الغني والعالم الفقير، وتلك هي الكارثة بكل ما ترمز إليه من عولمة مدمرة للأغنياء والفقراء على السواء.
إن المواعظ وحدها لا تكفي لوضع حد لعذاب الملايين ومعاناتهم الطويلة من أجل تحقيق هدف رخيص لبعض آلاف من الناس في تصعيد ثرائهم غير المسبوق. ولا يصح، بل لا يجوز أن تهزم البشرية نفسها في مجال العدالة الإنسانية وتوفير رغيف الخبز للجياع الذين تتزايد طوابيرهم وتتكاثر على أرصفة المدن ذات العمارات الباذخة والسيارات الفارهة. فضلاً عن ملايين من هؤلاء الجياع الذين يتساقطون جوعاً بعيداً عن الأنظار في أماكن عديدة من إفريقيا وآسيا. في زمن تحرير التجارة وعولمة الفقر.








أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية