zaalsalloum

واضحة ويسهل الوصول اليها

دهشة الكبار...صالح الخريبي

أشياء كثيرة نمر بها في حياتنا تلفت نظر الموهوبين، ويمر بها الإنسان العادي مرور الكرام. وأذكر أنني كنت أتمشى في شارع الحمراء في بيروت، عندما كان في أوج عزه في الستينات، مع الشاعر أدونيس، ومررنا بحوض سمك صغير أمام مطعم فيصل، فوقف أدونيس يتأمل السمك الملون في الحوض وقال، وقد أشرق وجهه بسعادة ظهرت على كل ملامحه: “إنه يسبح”، وقلت له، وأنا أشده من يده وأستحثه على متابعة المشوار: “لا أظنك تتوقعه يطير”. فتغيرت ملامحه، وقال: “الدهشة أمام الأمور التي تراها أنت عادية هي التي جعلت مني شاعراً”. وبلعت ريقي، ولكنني أدركت الفرق بين الشاعر المبدع، والإنسان العادي.


 

والفيلسوف أرسطو الذي عرف العرب قيمة فلسفته، فترجموها، بينما مر الغربيون قبل عصر النهضة بها كما مررت أنا أمام حوض السمك، وعندما “اكتشفوها” ترجموها عن العربية لا عن لغتها الأصلية، كان يقول إن الدهشة هي بداية المعرفة، لأن الذي لا يشعر بالدهشة لا يسأل. ولا أذكر ذلك الفقيه العربي الذي كان يقول: “اسألوني قبل أن تفقدوني” ولكنها أثمن نصيحة قدمها لتلاميذه. وكان سقراط يطالب تلاميذه بأن يسألوه باستمرار، وألا يتوقفوا عن التساؤل، وفي أحد لقاءاته مع تلاميذه لاحظ أن أحدهم يستمع ولا يسأل، فقال له غاضباً: “اسأل، حتى أراك”، ولم يكن سقراط يقصد الرؤية بحاسة البصر، فهو يراه بهذه الحاسة بالطبع، ولكنه كان يقصد الرؤية بعين البصيرة، لكي يعرفه من الداخل، ويدرك طريقة تفكيره.


 

والناس صناديق مقفلة ما بقيت شفاههم مغلقة، وإذا باعدوا ما بين الشفاه كشفوا ما بداخل هذه الصناديق، ويقال إن الإمام الفقيه الشافعي كان في زاويته في المسجد يلقي درساً في تلاميذه، وكانوا كلهم يسألون، والإمام يجيب عن أسئلتهم بسعادة، ولاحظ بينهم شاباً حسن الشكل، أنيق الهندام، يجلس في مواجهته في الصف الأول، فقال في نفسه: ربما كان ابن أحد الولاة أو التجار، وكان الإمام الشافعي كعادته في حلقات الدرس، يجلس على السجادة وقد وضع إحدى رجليه تحته، وثنى الأخرى ووضع يده على ركبته، وشعر بالحاجة لإراحة رجله التي يجلس عليها، ولكنه شعر بالحرج من الرجل الأنيق الذي يجلس في مواجهته، ولاحظ أيضاً أن هذا الشاب يستمع، ولا يسأل كغيره من الحضور، فقال له: “أليس لديك ما تسأل عنه يا بني؟” فقال الشاب: “نعم، لدي ما أرغب في الاستفسار عنه، وأريد أن أسألك: متى يفطر الصائم؟”، فقال الشافعي: “الصائم يفطر عندما تغرب الشمس”. فقال الشاب: “وإذا لم تغرب” وابتسم الشافعي، وشعر بأنه يستطيع أن يعفي نفسه من الحرج، وقال: “آن للإمام أن يمد رجله”.


 

وليس بيننا من هو في حجم الشافعي أو سقراط أو أفلاطون، ولكن أمثال ذلك الشاب الأنيق يشكلون ما نسبته 99،9% من مثقفينا ومحللينا، فأنت تراهم على شاشة التلفزيون بكامل أناقتهم يصولون ويجولون، ويتحدثون الساعات الطوال، يحللون لك حدث الساعة، وقضية اليوم، ولو وزنت ما يقولون بميزان الحكمة والعقل لوجدت أنه لا وزن له، فتحليلاتهم من النوع الساذج الذي يعرفه الناس العاديون، وتتذكر أنه لو كان بين هؤلاء شخصية تتمتع بقيمة في الموضوع الذي تتحدث عنه لما كان حالنا هذا الحال، فالمفكرون هم الذين يصنعون الرأي العام، وكان أفلاطون وأرسطو والشافعي هم الذين يشكلون ذوق الجماهير، ويعتبرون أنفسهم مسؤولين بشكل مباشر إذا حدث أي انحراف في هذا الذوق.



أضف تعليقا

hanaqq من سوريا
11 مايو, 2008 06:30 م
اخي الكريم
ه لحظة تضيء كنور يكشف الكهوف المظلمة
تملكها نفوس نيرة
وبصيرة نفاذة الى اعماق الامور
ربنا اكشف عن بصائرنا
امين
شكرا لك
هنا
zaalsalloum من سوريا
12 مايو, 2008 12:16 ص
الاخت العزيزة هنا
اشكرك على تعليقك الجميل
في الحقيقة تكتشفين الكثير من السذاجة لدى بعض المحطات "العربية"التابعة لامريكا واسرائيل
والغريب ان الكثير منهم أغبياء بامتياز
وكل تفسيراتهم وتحليلاتهم صدقا تافهة
اشكرك مجددا
محمد
eshteyak من فلسطين
19 مايو, 2008 12:37 ص

العزيز الغالي محمد ..

أعجبني جداً هذا المقال .. ذكرني بالسذج الذين يعتبرون أن الدهشة هبل .. وأنه لابد لكل انسان أن يكون كالآخرين حتى يكون من وجهة نظرهم شخص مثالي عاقل ونجيب أما الذكاء يقاس عندهم بدرجات المدرسة التي حصل عليها ..

باعتقادي أن الفكر هو فعلاً نابع من الدهشة ولذلك كانت الدهشة هي الحجر الذي حرك المياه الراكدة ..

الامام الشافعي فخر لنا نحن اهل غزة خاصة .. رحمه الله وجزاه عنا خير الجزاء ..

أعجبني تعليقك على مقال ستون نكبة وهي فعلاً ناقصة أشياء كتير يا محمد وطبعاً مش أنا كتبته هذا للدكتور ابراهيم حمامي وأكيد مأساة فلسطيني العراق كانت أحق بالذكر من بعض النكبات التي ذكرها .. عموماً هو لو استرسل كانت أكيد رح تكون أكتر ولكنه تعمد يخليها ستين ..

بالنسبة لك يا محمد مش شرط تكتب عن النكبة هذا أكيد يرجع لك وأنا مقتنعة بوجهة نظرك وحتى أنا أحبك لأنك دائماً متفائل ونظرتك للعالم هي نظرة القوة المترابطة مع الأمل .. وعملية المجدل مضيت خلاص يا محمد والجاي أكتر من اللي راح ..

قلنا لهم ممكن على مضض نقبل بالتهدئة ما قبلوا .. براحتهم ..

تحياتي لك على الدوام يا محمد ودعائي الخالص لك بالنجاح والتوفيق والتميز المستمر ..

eshteyak من فلسطين
19 مايو, 2008 12:43 ص

كلماتك يا محمد عن موازين القوى هي فعلا صادقة .. نحن الآن نشعر بالفخر بمقاومتنا وخاصة حينما نجد لها صدى في كثير من الميادين ..

أما بوش وخطابه صحيح أنا ما سمعته ولكن كنت قبل شوي اقرأ عنه ..

زيارة بوش كلها يا محمد هي من أجل دعم مكانة اسرائيل اسرائيل تتهاوى وهي في حاجة ماسة لمن يقف الى جانبها يواسيها ويشد من ازرها والبركة بالأمريكان والحكام العرب ..

احنا دعمنا يأتي من إيماننا بالله وبقدرتنا على الصمود والثبات ولذلك سيكون النصر لنا بإذن الله ..

تحياتي لك على الدوام يا محمد ..

zaalsalloum من سوريا
19 مايو, 2008 06:58 م
الغالية اشتياق
اسعدني تعليقك الرائع او تعليقاك الجميلان
هم لايريدون التهدئة اذا فعليهم تحمل المفاجآت ووالله ان النصر لقريب
والجرثومة الصهيونية الى زوال لا محالة
وباذن الله لن يخذلنا الله على أيدي اسود غزة فسيعذبهم الله بأيدي هؤلاء الأبطال ليشفي غليل أمة محمد وكما قلت سابقا المقاومة الفلسطينية في غزة ليست وحدها بل لها أعماق أعماق هذه الأمة وسيتردد صدى غزة في العراق ولبنان والشام وطهران وانقرة وكل الامة العربية والاسلامية والرد في كل مكان
لستم وحدكم والله لستم وحدكم
وسيشفى غليلنا وستزول الصهيونية الى ابد الآبدين
محمد زعل السلوم