دمشق القدس العربي ـ من أنور بدر: تكاد الفنانة هالة الفيصل تشكل حالة متميزة في حياتها وإبداعها معاً، إذ تعكس في حضورها وفي فنها اضطرام القلق الإنساني وتوتر الروح التواقة للخروج من استهلاكية الحياة الراهنة، والعقلانية الباردة للمؤسسات التي تسحق الأفراد والشعوب معاً.
ولدت الفنانة هالة الفيصل في مدينة حمص، وتخرجت من كلية الفنون الجميلة بدمشق سنة /1983/. كما تخرّجت من المعهد العالي للسينما في موسكو سنة /1985/ وتابعت دراستها للرسم لاحقاً في المدرسة العليا للفنون الجميلة. كما أقامت العديد من المعارض في باريس ما بين عامي /1995ـ1996/، وعادت بعدها إلي دمشق وبيروت، قبل أن ترحل ثانية إلي الولايات المتحدة الأمريكية حيث استقرّت منذ عام /1998/ وهناك درست الفن في جامعة نيويورك، كما درّست اللغة العربية وقدمت محاضرات عن تاريخ الفن ومفهومه في متحف بروكلين.
تعشق الموسيقي والغناء، ولها مساهمة في أمسية غنائية في باريس كانت قد شاركت فيها ابتداء من كتابة الكلمات إلي التلحين والغناء، وتعتبر عموماً أنّ الموسيقي هي المدخل الطبيعي كي تبدأ العمل الإبداعي، أما في السينما فقد مثلت مع سمير ذكري في فيلم وقائع العام المقبل قبل أن تدرس السينما في موسكو، وهناك اشتغلت في فيلم مشترك سوري ـ روسي عن المدن الإسلامية، ولها فيلم لم يُعرض بعنوان لصوص النهار يسرقون لصوص الليل . تصف عودتها الأخيرة إلي الشمس وألفة الأصدقاء، حيث فاجأتنا بالعديد من المعارض في نينار آرت وفي فندق الفور سيزنز وآخرها في المركز الثقافي الفرنسي وهي في كل هذه المعارض تشتغل بجديّة وحرفيّة عالية علي تعبيرية الوجه والجسد، فجسد المرأة ليس أيقونة للجمال بقدر ما هو حامل للألم، وظِلّ لعالم الروح، وتوتراتها الحادة.
القدس العربي التقت الفنانة الفيصل علي هامش معرضها الأخير، وكان هذا الحوار حول تجربتها الفنية:
تبدو الفنانة هالة الفيصل حاضرة في أغلب أعمالها في الجسد أو في بورتريهات الوجه؟
هذا طبيعي، لأنّ الفنان موجود في لوحاته بشكل عام بطريقة أو بأخري، حتي لو رسم طبيعة صامتة مثلاً، أو طبيعة حيّة، فهي دائماً ستكون انعكاساً لذاته، أو لإحساسه بالموضوع.
وفي تجربتي الخاصة، لا أنكر أنني أرسم بورتريهات لذاتي عبر المرآة، لكنها في الحقيقة بورتريهات تشبهك وتشبهني وتشبه الآخر، ففي لحظة الرسم قد أستحضر من الخيال أو الأسطورة، من الواقع أو التاريخ، شخصاً أو تعبيراً سيمتزج بالضرورة في نسيج اللوحة، لكنهم في هذا المستوي يشبهوننا بالتأكيد.
يبدو الجسد لديك حاملاً باستمرار لصليبه؟
لأننا نعيش في واقع يقمعنا باستمرار، وحتي الإنسان المقموع نراه في بعض الأحيان يمارس القمع علي الآخر، وأنا أرسم الجسد العاري كطريقة احتجاج علي ثقافتنا وتربيتنا التي تقمع الجسد، وبشكل خاص جسد المرأة، تلك المرأة التي يُعرض عليها أن تغطي جسدها وأن تغطي نفسها، أن تلغي كل ملمح جمالي في ذاتها وفي حياتها، فتتحوّل إلي كائن معاق، يسعي للتخلص من ذاته.
أنا اعتبر جسد المرء شيئاً عظيماً، فهو حامل الروح والفعل معاً، لذلك عندما نحاول إلغاءه في ثقافتنا العربية، يتحوّل إلي حامل لصليب آلامه.
في هذا المعرض مقامات تقومين بتحديد الجسد عبر خطوط سوداء عريضة، بينما مساحة الجسد تصبح ملعباً للتصويرات والرموز علي أرضية لونية حارة بعض الشيء؟
هذه الخطوط التي تحوي الجسد تشكل بآن ٍ معاً فاصلاً بينه وبين العالم الخارجي، وهي تأكيد علي المأساة وتوضيح لها، كما أنها إضافة جمالية بالنسبة لي، ففي كل الوجوه والأجساد الجميلة التي تطل علينا ملامح حزن، يكاد يطفر من مسامات الحياة التي نعيشها، وأنا بسبب شدة حبي للحياة أحاول أن أعكس هذا الألم ومظاهر الحزن، لكونهما أعمق من الفرح واشد أصالة في حياتنا.
بينما الاشتغال علي زخرفة الجسد من الداخل يأتي باعتباره حامل تعبير عن قوة هذا الجسد، وتوتراته الداخلية، بعض الزخارف التي تقارب الرموز الهيروغليفية تعيد جسد المرأة تحديداً إلي حالته الأسطورية، كمنبع للحياة والجمال والقوة.
ألم تتعرضي لإشكاليات في التلقي إزاء رسوم الجسد العاري؟
هذا هو الشيء الطبيعي في مجتمع ما زال يعيش في قوقعة التابوهات والمحرّمات، وقد انعكس هذا علي فنانينا الناشئين، فأول ما يتعلم الفنان رسم الأشياء والموديلات وفيها الجسد، حتي أنه يدرس علوم التشريح، لكنني أستغرب به الآن كيف يمكن لكلية الفنون الجميلة أن تخرّج فنانين بشكل لائق لم يتدربوا علي رسم الموديل العاري، مع أنّ هذا التقليد كان موجوداً في بداية تأسيس الكلية، وفي كل الجامعات العربية.
أحد الصحافيين علق مرة أن المعرض يثير الغرائز ، صدقني أنني أشفقت عليه، إذ لم يستطع أن يفصل بين العمل الفني وبين غرائزه المحدودة.
الخلط القائم حالياً ما بين القيمة الفنية والقيمة الأخلاقية في العمل الإبداعي، مسألة خطيرة جداً في حياتنا الراهنة. الأكاديميات العالمية للفن ما زالت تكن احتراماً عالياً للفن والجسد الإنساني، بينما في منطقتنا العربية نعيش حالة تراجع بسبب المحرّمات المرتبطة بالعيب والشرف والعار، وهذا ينعكس سلباً علي الفن والثقافة وحتي السياسة. فعندما تكون السياسة والاقتصاد في أزمة هل يمكن للفن والثقافة أن يكونا خارج دائرة تلك الأزمة؟
لو حاولنا العودة إلي بداياتك، تعلقك بالفن أو الرسم؟
قد تستغرب أنني في طفولتي لم أفكر في يوم ما أن أكون فنانة، كنت قد تأثرت برائدة الفضاء الروسية ترشكوفا وحلمت من صغري أن أصبح رائدة فضاء عربية، وانعكس ذلك علي دراستي العلمية، كنت أحب الفيزياء والرياضيات وأعتبرهما شيئاً عظيماً، كما أحببت المنطق والأدب والموسيقي. في تلك المرحلة المبكرة كتبت شيئاً من الخواطر، وانتسبت إلي المعهد الموسيقي حيث تعلمت عزف الكمان ، وشاركت في أوبريت زنوبيا التي كتبها عيسي أيوب، وقدمناها في حمص، لعبت فيها الدور الرئيسي.
ومن ثم انتسبت إلي كلية الفنون التشكيلية في حمص، وكان للفنان أحمد دراق السباعي دور أساسي في مساعدتي وتوجيه اهتماماتي الفنية، دون أن يؤثر ذلك علي دراستي التعليمية.
لكنني تعرضت في البكالوريا لحادث استثنائي، فقدت علي أثره شقيقتي، مما أصابني بصدمة عاطفية لم استطع حتي الآن التخلص من آثارها، كذلك أثرت بشكل سلبي علي دراستي، بالرغم من هذا نجحت في امتحان الشهادة الثانوية اعتماداً علي معلوماتي القديمة. كان التفكير ضمن العائلة أن أعيد الثانوية كي أدخل كلية الطب البشري أو الصيدلة.
وكنت بطبيعتي خجولة، وتحديداً في علاقتي مع أهلي، الذين اكتشفوا لاحقاً ميولي للرسم، وقبلوا دخولي إلي كلية الفنون الجميلة.
ما هي الانطباعات التي تحتفظين بها عن تلك الكلية؟
في كلية الفنون، أتذكر الآن أصدقائي الطلاب أكثر مما أتذكر أساتذتي، خاصة وأنني درست في قسم الاتصالات البصرية وليس في قسم التصوير أو الرسم، كان لي صديق اسمه جاد في قسم النحت، وكذلك حمود شنتوت كان يعطيني حامل الرسم في قسمه. من الأساتذة أتذكر الآن أستاذ أبولوني كما أتذكر الفنان عبد القادر أرناؤوط.
في مركز الفنون الجميلة في حمص اشتغلت علي الألوان المائية ثم الزيت، في الكلية زادت حيرتي في استخدام الألوان، واستفدت من دراستي في قسم الاتصالات البصرية لإقامة علاقات لونية بصرية، مع أنني كنت أتابع الدروس بقليل من الرغبة.
حضور المرأة في أعمالك وكذلك حضور اللون الأحمر؟
من الصعب أن أرسم الرجل في مجتمعنا، فثقافة الشغل علي الموديل معدومة لدينا، وكما قلت ألجأ كثيراً إلي استخدام المرآة أو الصورة لأحكي عن إحساس أو فكرة، فكوني امرأة في مجتمع عربي له خصوصيته في المعاناة والهموم المختلفة، لا بُدّ وأن ينعكس ذلك علي فني، فأحاول تفريغ الكم الهائل من الرواسب التي تشكلت خلال عقود من حياتي في كل لوحة أنجزها.
وأعتقد بالنسبة للألوان أنّ الأحمر وظلاله تساعد علي إيصال موضوعي، وإحساسي بالحالة التي أشتغل عليها، هذا بالنسبة لي ما يستدعي استخدام لون دون آخر.
ما رأي هالة الفيصل بالمشهد التشكيلي السوري المعاصر؟
لقد زاد عدد الفنانين كثيراً، وهناك تجارب شابة جديدة، توجد أعداد كبيرة من الفنانين اللاهثين وراء سوق اللوحات، أصبح الشغل علي ما هو رائج، فغدت الحسابات المادية تطغي علي حساب القيمة الفنية. وأصبحنا نشاهد أعمالاً كمية مشغولة بروح تجارية فقط.
لذلك أنا ضد أن تباع لوحة بمليون ليرة، لأنّ هذا الرقم يعني شيئاً مهماً في حياة الناس هنا، وأتمني، بذات الوقت، أن يكون كل إنسان في بلدي قادراً علي اقتناء لوحة. أتمني أن يعمم الفن التشكيلي كثقافة في حياتنا اليومية، لأنّ الفن ينمي الذوق الإنساني، ويساعد علي السعادة.
صحيح أنّ الفن تاريخياً كان سوقاً للقصور الملكية والنبلاء، ثم للبرجوازية الصاعدة في العالم، لكننا ندرك أنّ غويا كان حيادياً حتي وهو يرسم العائلة الملكية، بمعني آخر لا ينبغي أن تقود المادة ريشة الفنان، فألوانه أسمي من ذلك بكثير.
ولدت الفنانة هالة الفيصل في مدينة حمص، وتخرجت من كلية الفنون الجميلة بدمشق سنة /1983/. كما تخرّجت من المعهد العالي للسينما في موسكو سنة /1985/ وتابعت دراستها للرسم لاحقاً في المدرسة العليا للفنون الجميلة. كما أقامت العديد من المعارض في باريس ما بين عامي /1995ـ1996/، وعادت بعدها إلي دمشق وبيروت، قبل أن ترحل ثانية إلي الولايات المتحدة الأمريكية حيث استقرّت منذ عام /1998/ وهناك درست الفن في جامعة نيويورك، كما درّست اللغة العربية وقدمت محاضرات عن تاريخ الفن ومفهومه في متحف بروكلين.
تعشق الموسيقي والغناء، ولها مساهمة في أمسية غنائية في باريس كانت قد شاركت فيها ابتداء من كتابة الكلمات إلي التلحين والغناء، وتعتبر عموماً أنّ الموسيقي هي المدخل الطبيعي كي تبدأ العمل الإبداعي، أما في السينما فقد مثلت مع سمير ذكري في فيلم وقائع العام المقبل قبل أن تدرس السينما في موسكو، وهناك اشتغلت في فيلم مشترك سوري ـ روسي عن المدن الإسلامية، ولها فيلم لم يُعرض بعنوان لصوص النهار يسرقون لصوص الليل . تصف عودتها الأخيرة إلي الشمس وألفة الأصدقاء، حيث فاجأتنا بالعديد من المعارض في نينار آرت وفي فندق الفور سيزنز وآخرها في المركز الثقافي الفرنسي وهي في كل هذه المعارض تشتغل بجديّة وحرفيّة عالية علي تعبيرية الوجه والجسد، فجسد المرأة ليس أيقونة للجمال بقدر ما هو حامل للألم، وظِلّ لعالم الروح، وتوتراتها الحادة.
القدس العربي التقت الفنانة الفيصل علي هامش معرضها الأخير، وكان هذا الحوار حول تجربتها الفنية:
تبدو الفنانة هالة الفيصل حاضرة في أغلب أعمالها في الجسد أو في بورتريهات الوجه؟
هذا طبيعي، لأنّ الفنان موجود في لوحاته بشكل عام بطريقة أو بأخري، حتي لو رسم طبيعة صامتة مثلاً، أو طبيعة حيّة، فهي دائماً ستكون انعكاساً لذاته، أو لإحساسه بالموضوع.
وفي تجربتي الخاصة، لا أنكر أنني أرسم بورتريهات لذاتي عبر المرآة، لكنها في الحقيقة بورتريهات تشبهك وتشبهني وتشبه الآخر، ففي لحظة الرسم قد أستحضر من الخيال أو الأسطورة، من الواقع أو التاريخ، شخصاً أو تعبيراً سيمتزج بالضرورة في نسيج اللوحة، لكنهم في هذا المستوي يشبهوننا بالتأكيد.
يبدو الجسد لديك حاملاً باستمرار لصليبه؟
لأننا نعيش في واقع يقمعنا باستمرار، وحتي الإنسان المقموع نراه في بعض الأحيان يمارس القمع علي الآخر، وأنا أرسم الجسد العاري كطريقة احتجاج علي ثقافتنا وتربيتنا التي تقمع الجسد، وبشكل خاص جسد المرأة، تلك المرأة التي يُعرض عليها أن تغطي جسدها وأن تغطي نفسها، أن تلغي كل ملمح جمالي في ذاتها وفي حياتها، فتتحوّل إلي كائن معاق، يسعي للتخلص من ذاته.
أنا اعتبر جسد المرء شيئاً عظيماً، فهو حامل الروح والفعل معاً، لذلك عندما نحاول إلغاءه في ثقافتنا العربية، يتحوّل إلي حامل لصليب آلامه.
في هذا المعرض مقامات تقومين بتحديد الجسد عبر خطوط سوداء عريضة، بينما مساحة الجسد تصبح ملعباً للتصويرات والرموز علي أرضية لونية حارة بعض الشيء؟
هذه الخطوط التي تحوي الجسد تشكل بآن ٍ معاً فاصلاً بينه وبين العالم الخارجي، وهي تأكيد علي المأساة وتوضيح لها، كما أنها إضافة جمالية بالنسبة لي، ففي كل الوجوه والأجساد الجميلة التي تطل علينا ملامح حزن، يكاد يطفر من مسامات الحياة التي نعيشها، وأنا بسبب شدة حبي للحياة أحاول أن أعكس هذا الألم ومظاهر الحزن، لكونهما أعمق من الفرح واشد أصالة في حياتنا.
بينما الاشتغال علي زخرفة الجسد من الداخل يأتي باعتباره حامل تعبير عن قوة هذا الجسد، وتوتراته الداخلية، بعض الزخارف التي تقارب الرموز الهيروغليفية تعيد جسد المرأة تحديداً إلي حالته الأسطورية، كمنبع للحياة والجمال والقوة.
ألم تتعرضي لإشكاليات في التلقي إزاء رسوم الجسد العاري؟
هذا هو الشيء الطبيعي في مجتمع ما زال يعيش في قوقعة التابوهات والمحرّمات، وقد انعكس هذا علي فنانينا الناشئين، فأول ما يتعلم الفنان رسم الأشياء والموديلات وفيها الجسد، حتي أنه يدرس علوم التشريح، لكنني أستغرب به الآن كيف يمكن لكلية الفنون الجميلة أن تخرّج فنانين بشكل لائق لم يتدربوا علي رسم الموديل العاري، مع أنّ هذا التقليد كان موجوداً في بداية تأسيس الكلية، وفي كل الجامعات العربية.
أحد الصحافيين علق مرة أن المعرض يثير الغرائز ، صدقني أنني أشفقت عليه، إذ لم يستطع أن يفصل بين العمل الفني وبين غرائزه المحدودة.
الخلط القائم حالياً ما بين القيمة الفنية والقيمة الأخلاقية في العمل الإبداعي، مسألة خطيرة جداً في حياتنا الراهنة. الأكاديميات العالمية للفن ما زالت تكن احتراماً عالياً للفن والجسد الإنساني، بينما في منطقتنا العربية نعيش حالة تراجع بسبب المحرّمات المرتبطة بالعيب والشرف والعار، وهذا ينعكس سلباً علي الفن والثقافة وحتي السياسة. فعندما تكون السياسة والاقتصاد في أزمة هل يمكن للفن والثقافة أن يكونا خارج دائرة تلك الأزمة؟
لو حاولنا العودة إلي بداياتك، تعلقك بالفن أو الرسم؟
قد تستغرب أنني في طفولتي لم أفكر في يوم ما أن أكون فنانة، كنت قد تأثرت برائدة الفضاء الروسية ترشكوفا وحلمت من صغري أن أصبح رائدة فضاء عربية، وانعكس ذلك علي دراستي العلمية، كنت أحب الفيزياء والرياضيات وأعتبرهما شيئاً عظيماً، كما أحببت المنطق والأدب والموسيقي. في تلك المرحلة المبكرة كتبت شيئاً من الخواطر، وانتسبت إلي المعهد الموسيقي حيث تعلمت عزف الكمان ، وشاركت في أوبريت زنوبيا التي كتبها عيسي أيوب، وقدمناها في حمص، لعبت فيها الدور الرئيسي.
ومن ثم انتسبت إلي كلية الفنون التشكيلية في حمص، وكان للفنان أحمد دراق السباعي دور أساسي في مساعدتي وتوجيه اهتماماتي الفنية، دون أن يؤثر ذلك علي دراستي التعليمية.
لكنني تعرضت في البكالوريا لحادث استثنائي، فقدت علي أثره شقيقتي، مما أصابني بصدمة عاطفية لم استطع حتي الآن التخلص من آثارها، كذلك أثرت بشكل سلبي علي دراستي، بالرغم من هذا نجحت في امتحان الشهادة الثانوية اعتماداً علي معلوماتي القديمة. كان التفكير ضمن العائلة أن أعيد الثانوية كي أدخل كلية الطب البشري أو الصيدلة.
وكنت بطبيعتي خجولة، وتحديداً في علاقتي مع أهلي، الذين اكتشفوا لاحقاً ميولي للرسم، وقبلوا دخولي إلي كلية الفنون الجميلة.
ما هي الانطباعات التي تحتفظين بها عن تلك الكلية؟
في كلية الفنون، أتذكر الآن أصدقائي الطلاب أكثر مما أتذكر أساتذتي، خاصة وأنني درست في قسم الاتصالات البصرية وليس في قسم التصوير أو الرسم، كان لي صديق اسمه جاد في قسم النحت، وكذلك حمود شنتوت كان يعطيني حامل الرسم في قسمه. من الأساتذة أتذكر الآن أستاذ أبولوني كما أتذكر الفنان عبد القادر أرناؤوط.
في مركز الفنون الجميلة في حمص اشتغلت علي الألوان المائية ثم الزيت، في الكلية زادت حيرتي في استخدام الألوان، واستفدت من دراستي في قسم الاتصالات البصرية لإقامة علاقات لونية بصرية، مع أنني كنت أتابع الدروس بقليل من الرغبة.
حضور المرأة في أعمالك وكذلك حضور اللون الأحمر؟
من الصعب أن أرسم الرجل في مجتمعنا، فثقافة الشغل علي الموديل معدومة لدينا، وكما قلت ألجأ كثيراً إلي استخدام المرآة أو الصورة لأحكي عن إحساس أو فكرة، فكوني امرأة في مجتمع عربي له خصوصيته في المعاناة والهموم المختلفة، لا بُدّ وأن ينعكس ذلك علي فني، فأحاول تفريغ الكم الهائل من الرواسب التي تشكلت خلال عقود من حياتي في كل لوحة أنجزها.
وأعتقد بالنسبة للألوان أنّ الأحمر وظلاله تساعد علي إيصال موضوعي، وإحساسي بالحالة التي أشتغل عليها، هذا بالنسبة لي ما يستدعي استخدام لون دون آخر.
ما رأي هالة الفيصل بالمشهد التشكيلي السوري المعاصر؟
لقد زاد عدد الفنانين كثيراً، وهناك تجارب شابة جديدة، توجد أعداد كبيرة من الفنانين اللاهثين وراء سوق اللوحات، أصبح الشغل علي ما هو رائج، فغدت الحسابات المادية تطغي علي حساب القيمة الفنية. وأصبحنا نشاهد أعمالاً كمية مشغولة بروح تجارية فقط.
لذلك أنا ضد أن تباع لوحة بمليون ليرة، لأنّ هذا الرقم يعني شيئاً مهماً في حياة الناس هنا، وأتمني، بذات الوقت، أن يكون كل إنسان في بلدي قادراً علي اقتناء لوحة. أتمني أن يعمم الفن التشكيلي كثقافة في حياتنا اليومية، لأنّ الفن ينمي الذوق الإنساني، ويساعد علي السعادة.
صحيح أنّ الفن تاريخياً كان سوقاً للقصور الملكية والنبلاء، ثم للبرجوازية الصاعدة في العالم، لكننا ندرك أنّ غويا كان حيادياً حتي وهو يرسم العائلة الملكية، بمعني آخر لا ينبغي أن تقود المادة ريشة الفنان، فألوانه أسمي من ذلك بكثير.







