zaalsalloum

واضحة ويسهل الوصول اليها

لسنا جياعاً ولا كلاباً.. ماذا نحن؟ عصام النعمان

 

معمر القذافي قد لا يكون الرئيس الأكثر شعبية بين العرب، لكنه قطعاً الحاكم الأكثر فرادة بينهم. انه فريد، في تفكيره وتدبيره، في كلامه وصمته. كلامه في طرابلس، خلال قمة مصغرة جمعت رؤساء ووزراء خارجية دول عربية مرشحة للانضمام إلى “الاتحاد من اجل المتوسط” كان لافتاً، كالعادة، في جرأته وحدّته  قال، في جلسة الافتتاح، مخاطباً الأوروبيين: “لسنا جياعاً ولا كلاباً لترموا لنا العظام”.


قال قولته ثم دعا المشاركين في القمة إلى جلسة مغلقة. لا نعرف ما إذا كان كلامه في غياب وسائل الإعلام أكثر حدّة من كلامه في حضورها. غير أنه، بعد 40 عاماً من ثورته على النظام الملكي في بلاده، ما زال ثورياً، على الأقل في كلامه، بصرف النظر عن المردود العملي لنطقه الجماهيري.


المهم انه بكلامه العلني أشرك الناس في تفكيره، فبات من حقنا ان نناقشه في ما قاله وفي ما كان يجب ان يقوله ويفعله.


القمة المصغرة في طرابلس كانت عُقدت سعياً إلى إيجاد موقف مشترك من مشروع الاتحاد المتوسطي ومناقشة دور “إسرائيل” فيه.


وكانت فرنسا طرحت مشروع الاتحاد السنة الماضية لتعزيز العلاقات مع الجيران الجنوبيين للاتحاد الأوروبي وتحسين التعاون التجاري والأمني.


القذافي يظن سوءاً، على ما يبدو، بنيات قادة أوروبا.


فقال إن واضعي المشروع “يحسبون العرب والأفارقة سذّجاً. نحن بلدان أعضاء في الجامعة العربية وكذلك في منظمة الوحدة الإفريقية، ولا نجازف بأي حال من الأحوال بتمزيق الوحدة العربية أو الإفريقية، وعلى شركائنا أن يفهموا هذا جيداً”.


اعتقد ان “شركاءنا” الأوروبيين يفهمون وضعنا جيداً، ويعرفون بالتأكيد كم كنا، وما زلنا، نجازف بتمزيق “وحدتنا” العربية والإفريقية. ولعلهم اطّلعوا على كلمة الزعيم الليبي في القمة العربية التي عقدت في دمشق قبل نحو شهرين وأدركوا كم نحن ممزقون ومشرذمون.


ربما لهذا السبب عرضوا علينا مشروع الاتحاد المتوسطي غير المبني، كما قال القذافي، “على قيم ومبادئ مثل مكافحة الأمراض أو التغيّر المناخي”. لقد جاؤوا “بعروض اقتصادية لأنهم يعتبرون دول الجنوب شعوباً جائعة (...) انهم يلوّحون بهذه المشاريع مثل الطعم، وهذا يمثّل إهانة”!


أجل، انها إهانة. ولهذا السبب انفجر العقيد بكلامه الغاضب: “نحن لسنا جياعاً ولا كلاباً لترموا لنا العظام..”.


الحقيقة ان بعض فقراء العرب قد أضحوا، للأسف، جياعاً. لكن ذلك لا يعني أبداً انهم كلاب.


وهم ما كانوا ليصبحوا جياعاً ويتجرأ الأوروبيون والأمريكيون على اعتبارهم، لا سمح الله، كلاباً إلا لأن أمتهم أضحت ممزقة، مشرذمة، وبالتالي منهوبة الموارد ومسلوبة الثروات على النحو الذي يعرفه القذافي وغيره من الحكام. حتى ما سَلِمَ وبقي من مواردها وثرواتها، وهو كثير وكبير ووفير، لا نُحسن إدارته بشكل صحيح ما مكّن الأوروبيين والأمريكيين من إعادة تدويره ليصبّ في خزائنهم ومصارفهم ومشروعاتهم في نهاية المطاف.


العلة، إذاً، فينا وليست في سوانا. لا يُفترض في غيرنا، أوروبيين كانوا أم أمريكيين، ان يهتموا بنا أكثر مما نهتم نحن بأنفسنا، ولا يعقل ان يراعوا مصالحنا أكثر مما نفعل نحن.


ومع ذلك فإننا، حكاماً ومحكومين، لا نفتأ ننحي باللائمة على الغير ونسوق ضدهم من الاتهامات والنعوت ما يملأ آلاف المجلدات.


 لماذا نحن راتعون في هذا القدر الهائل من الضعف وقلة الحيلة؟


قيل في أسباب ذلك الكثير، غير انني سأختار من بين الأسباب واحداً حرص القذافي على نكرانه أثناء خطبته الطريفة أمام الرؤساء والوزراء والكبراء، فقد قال العقيد في معرض تقريع المسؤولين الأوروبيين وإنكار مسؤوليتنا عمّا نحن فيه: “يحسبون العرب والأفارقة سذّجا”، موحياً بأننا لسنا كذلك.


كلا أيها الأخ العقيد. لا سبيل إلى الإنكار.


اننا سذج بالغو السذاجة. بعض المسؤولين فينا ساذجون وكذلك المواطنون. منبع سذاجتنا جهلنا وجهالتنا وجاهليتنا القديمة والحديثة وبالتالي ضحالة وعينا ومحدودية إدراكنا.


نحن لا نعي ولا ندرك تماماً ما عندنا وما عند غيرنا. حتى لو وعينا وأدركنا ذلك، فإننا لا نملك الإرادة والشجاعة لنغيّر ما في أنفسنا كي نتمكن من أن نغيّر ما هو خارجها.


في قمة دمشق كما في قمة طرابلس كان القذافي جريئاً في توصيف واقع الأشخاص والأشياء في دنيانا العربية. لكنه أخفق في ان يقدم للآخرين البديل مما هم فيه. أخفق، أو لعله امتنع، عن ان يكون مثلاً ومثالاً.


هل كثيرٌ عليه أن يتقدم بمشروع إنمائي قومي وآخر إقليمي مدروسين، ممكني التحقيق وعاليي المردود نوعياً وكمياً؟


أجل، نحن لسنا كلاباً، لكننا بالتأكيد سذّج. متى يثور القذافي وغيره فيخرجون من السذاجة إلى الذكاء بالوعي والإدراك والشجاعة، ومن توصيف العالم الفاسد حولنا إلى هدمه وإعادة البناء؟
عن الخليج الاماراتية


أضف تعليقا