zaalsalloum

واضحة ويسهل الوصول اليها

السبب الحقيقي للحروب...سعد محيو

النظريات حول أسباب العنف والحروب عديدة ومتنوعة. فهناك النظريات السايكولوجية التي ترى أن الجنس البشري عنيف بطبيعته، ويحتاج إلى الحرب كتنفيس هذه الطاقة. وهذا يتقاطع مع مفاهيم نفسية أخرى مثل مفهوم “الإحلال” حيث يحول المرء تظلماته إلى كراهية وتحيز ضد المجموعات الإثنية الأخرى، أو الأمم، أو الأيديولوجيات. ومفهوم “ديمومة الحرب” الذي يعتبر أنه لا وجود للسلام، وحين يوجد يكون مجرد فترة تحضير للحرب. وأخيراً مفهوم “علم النفس التطوري” الذي يقول إن الحرب هي امتداد للسلوك الحيواني الذي يركز على كل من التنافس والسيطرة على الحيز الجغرافي.


 

وهناك النظريات السوسيولوجية المتناقضة (ثمة آلاف منها) التي يعتبر بعضها أن الحرب هي نتاج للسياسات والظروف المحلية، أما الحقائق الدولية فلا تفعل شيئاً سوى توفير هدف العدوان. فيما يعتبر أنصار بعضها الآخر، مثل كارل فون كلاوسفيتز وليوبولد رانكي، أن ما يقود إلى الحرب هو  قرارات القيادات والوضع الجيوسياسي.


 

ثم هناك النظريات العقلانية التي تفترض أن الطرفين المتحاربين عقلانيان ويعرفان ماذا يريدان تحقيقه من الحرب؛ والنظريات الاقتصادية حيث التنافس على الموارد والثروات هو سبب الفوضى والمعارك؛ والنظرية الماركسية التي ترد الحرب إلى الصراع بين الطبقات.


 

بيد أن المقاربة التي حظيت بأوفر عمليات التحقق والإثبات كانت تلك التي أطلق عليها اسم “التضخم” (أو الانتفاخ) الشبابي. ترى هذه النظرية أن العنف يصبح محتماً حين يزداد عدد الشبان الذكور تحت سن الخامسة والعشرين من دون أن تتوافر لهم فرص العمل، وتوكيد الشخصية والهوية، والأمل بالمستقبل. “الانتفاخ” يحدث إذا ما وصلت نسبة الخصوبة إلى ما بين 5 و8 أطفال للمرأة الواحدة، وإذا ما بات 30 إلى 40 في المائة من سكان أمة ما في “سن القتال”، أي بين ال 15 وال 29 سنة. وفي حال عجز المجتمع عن توفير العمل والجنس الشرعي للشبان حين يصلون السن القانونية، فهذا يشرع الأبواب على مصراعيها أمام انتشار الجرائم العنيفة، أو التمرد، أو الحرب الأهلية والثورات، أو الإبادات الجماعية، أو الحروب والغزوات الخارجية.


 

الولايات المتحدة تبنت بالكامل نظرية “الانتفاخ الشبابي” هذه، وجعلتها أساس التوجهات في سياستها الخارجية واستراتيجيتها العسكرية. وقد تضمن تقرير البنتاغون العام 2002 المعنون “الأمن القومي الأمريكي ومضاعفات التغير الجغرافي العالمي” إشارات عديدة ومتكررة إلى نظرية الانتفاخ. كما أن أبرز مستشاري وزارتي الدفاع والخارجية ينتمون إلى هذه المدرسة.


 

أما في العالم العربي  الإسلامي، فقد كان التطور البارز هو قيام صموئيل هانتينغتون بتعديل نظريته في “صدام الحضارات” المتعلقة بهذا العالم، وإعادة إرسائها بشكل أساسي على نظرية التضخم الشبابي. قال: “لا أعتقد أن الإسلام أكثر عنفاً من أي دين آخر، لا بل إن المسيحيين ذبحوا أناساً أكثر بكثير من المسلمين. لكن العامل الرئيس هو العامل الديموغرافي. فبوجه عام، الناس الذين يخرجون ليقتلوا أناساً آخرين يكونون بين سن ال 16 و30. وخلال الستينات والسبعينات والثمانينات، كانت هناك نسب مرتفعة من الولادات في العالم الإسلامي أسفرت عن انتفاخ شبابي. وهذا ما أدى إلى كل ذلك العنف في تلك المرحلة”.


 

بالطبع، مثل هذا التحليل يغفل العديد من العوامل الأخرى، مثل التظلمات القومية، والدوافع الدينية، والقمع السياسي. لكنه مع ذلك جدير بأن ينال حقه من التدقيق في العالم العربي. كيف لا وهذا العالم يعيش فوق قنبلة ديموغرافية ضخمة تتكتك على وقع أقدام 150 مليون شاب عربي يبحثون بغضب عن فرص العمل، والكرامة القومية، وإثبات الوجود الحضاري؟


 

 



أضف تعليقا